آخر تحديث للموقع :17:48


الإزالة

بقلم: لاورين شينمان*
ترجمة: الهادي أحمد علي
"ستتم إزالة كل الأشياء غير الضرورية" هكذا قال الطبيب. فقال فيكتور بيأس: "نعم، نعم بالطبع"، لكن فيكتور وهو راقد على طاولة العمليات شعر بكثير من القلق عند سماع كلمات الطبيب.


انحنى الطبيب ينظر إليه والكشاف يومض خلف طاقيته الخضراء. وعيونه البنية برموشها الخشنة تطل من فوق القناع.


الطبيب الأربعيني من المحتمل أن يكون يكبر فيكتور بعشرة أعوام، يبدو ناجحاً وفتياً.


ربما يكون هو نفسه قد خضع للجراحة في مرحلة من مراحل حياته، هكذا فكر فيكتور، لكنه أيقن بأنه ليس من الكياسة أن يسأله عن شيء كهذا.


"كم من الوقت يستغرق الأمر؟" سأل فيكتور.


"ليس من الممكن إفادتك ما لم نقُم بفتح بطنك أولاً، لكن من صور الأشعة يبدو أن هناك الكثير مما يجب عمله".


إبرة حادة تشك ساعد فيكتور، فينساب المخدر في أوردته في بضع دقائق كما لو أن أحدهم قد قام بقطع العصب الذي يربط مخه بجسده، هام وعيه على ارتفاع بوصات من طاولة العمليات كالملاك المجنح الذي ترفرف أجنحته على رؤوس الأطفال.


"حسناً، علينا أن نبدأ بأحدث الأشياء"، هكذا قال الطبيب بصوت خفيض مكتومٍ بسبب القناع، وكان محقاً.


ظهرت كتلتان مطاطيتان في شكليهما كالشحم الملتصق بشريحة لحم بائسة.


فعرفهما فيكتور في الحال، الأولى كانت مداواة ألم أسنانه الذي كلفه مبلغاً كبيراً ذلك الصيف، أما الأخرى، فكانت زميلته الجديدة في العمل التي تمت ترقيتها للوظيفة التي كان ينتظرها.


ثم بعد ذلك ظهرت خيوط رغوية رقيقة، كراهيته لشهر مارس، ذاك الشهر التافه وموسيقى الهارمونيكا.


"بدأنا الآن" قال الطبيب الذي كانت أياديه قد تلطخت بسائل ليس أحمر كالدم، لكنه كان أصفر اللون، كذاك الذي ينز من قطعة اللحم.


الكتلة التالية كانت كبيرة الحجم قياساً، فهي في حجم الكرة اللدنة ملتصقة ببعض الشحم وتشبه تلك القضاريف التي تكون في عظام الدجاج، تلك كانت أولمبيا زوجته السابقة، ذوقها الراقي في اختيار الفيلم، شخصيتها المرحة التي تظهرها للآخرين وتخلعها، كما تخلع الفستان الضيق بمجرد وصولهما لمنزلهما، شعرها الكراميلي الفاخر الذي كان أول ما لفت انتباهه في ذلك اليوم الذي رآها فيه في ذلك المقهى من بعيد، وصار فيما بعد يمقته. والذي ظل يحتفظ بجماله الأخاذ حتى بعد أن صار فيكتور لا يطيق كاميليا نفسها.


عندما صارت هذه الكتل الضخمة ترقد على الطاولة، وهي تسبح في السوائل الشفافة، أيقن فيكتور بأن الطبيب سيخيط جرحه ليعود كما كان، لكن الطبيب بدأ يضاعف عمله، فأخرج شبكة من الحويصلات المتحجرة - الفتاة التي رفضت أن تتحدث معه أو تواعده أو حتى أن تُمارس معه الحب، ثم أخرج كتلتين متشابهتين يلتصق بهما قليل من الشعر- غيرته من صديقه "تود" الذي كان أطول منه قليلاً، وصديقه كريس الذي كان أفضل منه قليلاً في السباحة.


كانت هناك بعض الكتل التي تشبه حشوات اللبان الممدوغ.. الامتعاض من الرقم الضريبي على ذاك الجينز الجميل، الذي يجعله غالياً وغير مرغوب باستمرار، والنغمة اللئيمة التي تصدر عن الأشخاص المشردين حين يسألونه عن صرف النقود.


كانت هناك ممرضتان بلباسهما الأخضر تساعدان في التخلص من المادة القذرة برفعها من الصحن المعدني بدبابيس ووضعها في أكياس ورقية لرميها في القمامة، الآن صارت تخرج بسرعة، فقامتا بجمعها بأيديهما ورميها في سلة طويلة بيضاء؛


في الحقيقة كانت كتلة اللحم والسوائل في السلة تبدو أكبر بكثير من تجويف بدنه، فبدأ يساور فيكتور القلق في كيف يمكن معرفة ما إذا كان قد تبقى منه شيء.


"تلك هي الركائز على الأرجح"، قال الطبيب حاملاً كتلتين من الورم وكأنه يحمل توأميْن وُلدا للتو، يبدوان أصغر من المتوسط؛


لم يندهش فيكتور، ضحك والدته وقلقها الذي لا يحبه، صوت والده يهتف بحماس مشجعاً، الاستياء من أشقائه - رقائق متعددة كقطعة كبد العجل - كانوا صغاراً كذلك.


كان هو الأكبر والأكثر ذكاءً وسط ثلاثة أشقاء، وقد عرف طريقه على كل حال. كان الشقيق الأصغر يتسم ببعض الوسامة، بالرغم من أن شقيقته الصغرى قد أطلقت عليه لفظ تمييزي لأنه ألمح إلى أن المرأة الجديدة قد تمت ترقيتها بسبب المحاباة.


أبطأ الطبيب، لم يتمكن فيكتور من القدرة على الشعور بأي شيء محدد، لكنه كان يحس بضغط هائل، كما لو أن هناك شيئاً قد اقتُلع من جذوره، وأخيراً قام الطبيب برفع كتلة رمادية ضخمة بحجم قبضتي اليد متجعدة ومحززة كالمخ أو كعلقة الجنين الذي لم يكتمل.


هذه كانت تحمل في طياتها أسراراً لا حصر لها، أنسجتها وأورامها التي يستطيع فيكتور التعرف عليها بالاسم ظلت تنمو بداخله منذ ميلاده.


ذاك كان غضبه كأي إنسان ليس بمقدوره أن يكون سعيداً على الدوام.


فالحياة قصيرة قاسية، وطويلة مضجرة كذلك، كانت تخيب أمله في الحصول على ما يريد اللحظة تلو اللحظة حتى تأتي النهاية المحتومة.


"أظن أن ذلك هو كل شيء"، قال الطبيب لاهثاً، معطفه الأخضر يتدلى مبعثراً من كتفه حتى كاحله، مسح جبهته بساعده تاركاً بقعاً دهنية بنية اللون.


"كيف حالك الآن؟" لم يتمكن فيكتور من الإجابة، ولكن إذا كان قد تمكن من النطق بشيء، فمن المرجح أن يقول شيئاً كهذا: "هناك ريح تهب من مكان ما، ريحٌ دافئة معبقة بأريج النباتات أو إكليل الجبل، وهذه الريح تصفر من خلال صدفة عملاقة".


فيكتور يعرف هذه الصدفة بالغريزة، يعرف بأنها قديمة للغاية، أقدم ربما تكون من الأرض نفسها. لأنها عندما تم غسلها لأول مرة على أول شاطئ في الكون كانت نظيفة وفارغة منذ الأزل.


بالرغم من أن فيكتور لم يتكلم، لكن الطبيب ابتسم كما لو أنه قد سمعه يتكلم. "عرفتها"، قال الطبيب "عرفتها. إنها تشبههن جميعاً".


واستمرت الريح تعصف.

 

* القصة الفائزة بالمركز الأول لمسابقة رايترز دايجست العام 2017



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."