آخر تحديث للموقع :23:49


غوص جديد في مخطوطة كاتب الشونة

إعداد: محمد الشيخ حسين
كاتب صحفي
ما يميز البروفسيور  يوسف فضل حسن أستاذاً جامعياً قديراً ومحققاً ومؤرخاً مرموقاً وكاتباًعلمياً مجدداً هو أنه يضعك في قلب المغامرة، وهذه صفة جديرة بأولئك الأسلاف السودانيين الأوائل، رغم أن أكثرهم لم يكتب حرفا واحداً، فبقيت المغامرة مجهولة.


لكن أثرها ظل يشم على الدوام عبر ليالي الأحاجي والحكايات والمسادير والأشعار والدوبيت والشاشاي والهوهاي والبوباي وأنماط طق الحنك التي تملأ حياة السودانيين كافة.


كل النسخ
مناسبة هذه التقدمة أن البروف يوسف قد أنجز تحقيقا علميا لمخطوطة كاتب الشونة اعتمد فيه على عشر نسخ مختلفة وجدت في مكتبات:


دار الوثائق القومية، الشريف يوسف الهندي، القاهرة، اسطنبول، باريس، المتحف البريطاني، مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن، جامعة أكسفورد، فينا، باسانو، ونوتنغهام التي تعد أقدم هذه النسخ وأقربها للأصل الذي صدرت به المخطوطة.


وبدون أي محاولة لإبداء التواضع، فإن البروف يوسف قد أنجز عملاً مهماً في تأرخة التاريخ السوداني، استغرق إعداده بجهود فردية وشخصية جداً نحو 25 عاماً إذ بدأه في العام 1992، لكي يخرج تحقيق كتاب من المطبعة في أغسطس من العام الحالي 2018.


وأهمية هذا التحقيق تكمن في أن تاريخ كتابة تاريخ السودان مسألة حديثة جدا، وقد تكون غير مكتملة.


كما تبدو متكررة وتتسم بكثرة ما أهمله التاريخ عمداً أو سهواً أو تأمراً، إضافة إلى كثرة المسكوت عنه.


ولعل إنجاز هذا التحقيق يكمل نقصاً في التراث التاريخي السوداني الأصيل.


عناصر دلالية
يتيح نص البروف يوسف المحقق لقارئه مصادر ثقافية شتّى في عناصره الدلالية والتاريخية، فالبروف يوسف قدم إلى فن التحقيق من تخصص أصيل في التاريخ وطرائق جديدة مختلفة فيما عرف حديثا بالدراسات السودانية.


وهكذا جاء إلى مخطوطة كاتب الشونة مضخما بماء التجربة، تجربة الباحث حين يدقق في النص لإضاءته، ولعله يفعل ذلك وهو يرهف السمع لإيقاع الحياة وحكايات الأشياء من حوله.


وقد لا نبالغ إذا قلنا إننا نستطيع أن نقرأ من خلال كتب وبحوث وأرواق البروف يوسف، شيئاً من سيرة السودان، ومراحل تطور الحياة التي مر بها.


فبحوثه تشف عن شخصيته وتكشف عن عشق طبيعي يبوح ببعض صور الحياة السودانية ورموزها الوطنية والأسطورية.


حالة وجودية
معلوم أن تحقيق المخطوطات علم وفن، لكنه عند البروف يوسف ليس له منزل معلوم ينتهي عنده، على حدّ عبارة ابن عربي.


وهذا التحقيق إذا استدعينا عرفانيات المتصوفة حركة لا تسكن أبدا.


ولعل البروف يوسف في تحقيق مخطوطة كاتب الشونة تمثل مقولة ابن عربي:


"وإذا لاح لك منزل تقول فيه هذا هو الغاية انفتح عليك منه طريق آخر تزودت منه وانصرفت فما من منزل تشرف عليه إلا ويمكن أن تقول هو غايتي، ثم إنك إذا وصلت إليه لم تلبث أن تخرج عنه راحلا".


هذا الضرب من التحقيق يبدو واضحاً في التحقيق، إذ تناول نسخة كاتب الشونة أحمد بن الحاج أبو علي والكتاب الأربعة الذين نقحوها وأضافوا إليها.


لغة جديدة
يلحظ المتأمل في تحقيق مخطوطة كاتب الشونة ميلاد لغة جديدة تبهرك بعلميتها، إذ تعمد إلى الجمع بين مفردات مغرقة في دراجيتها السودانية، ومفردات آخرى ممعنة في حداثتها.


لهذا كان التحقيق عند البروف يوسف، حركتين اثنتين متشابكتين متدخلتين:


حركة استرجاع، وهي حركة الذاكرة لا تفتأ تعود إلى الماضي، تلتقط شظاياه وتسعى إلى تركيبها من جديد.


وحركة استباق، وهي حركة تتجه إلى المستقبل أي إلى الحلم تسعى إلى تهجي لغته وفك رموزها.


ولا غرو في ذلك، فمن غير الممكن بالطبع أن يؤرخ أحد ما لمشهد كتابة تاريخ السودان  دون التوقف مليا عند اسم  البروف يوسف، ودوره الريادي في رسم المدرسة السودانية في كتابة تاريخ البلاد.


نقطة مهمة
ثمة نقطة مهمة تتمثل في أن البروف يوسف عرف كيف ينأى بمشروعه العلمي عن التقوقع الآيديولوجي والعصبية الضيقة والمشروع الشخصي.


ليحولها بتأثير واضح من بحوث علمية إلى منصة مفتوحة للسجال الثقافي في مشروعه التنويري.


حيث أدرك منذ وقت مبكر، أهمية تحقيق المخطوطات في نسخاتها المختلفة وإقامة علاقات متميزة مع شهود عيان ورواة وشيوخ وأحفاد الذين لعبوا أدواراً بارزة في تاريخ البلاد.


ويبدو لي أن البروف يوسف حين غامر قبل أكثر من 45 عاماً بتحقيق كتاب (طبقات ود ضيف الله).


قد أسس لعهد نضج الاهتمام الوطني بالمخطوطات السودانية في مدوناتها المتعددة وأزمنتها المختلفة.


مرتكزاً على أن معرفة ماضي الأجداد ومحموله الثقافي يعد نقطة انطلاق للمستقبل.


كاتب الشونة
يعتبر الشيخ أحمد بن الحاج أبو علي الشهير بـ (كاتب الشونة) من أوائل المؤرخين في السودان، ويعد كتابه المعنون (تاريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان ـ 910 ـ 1288هـ / 1504 ـ 71/1872م) أهم كتاب سوداني مرجعي في التاريخ الحديث.


ولد كاتب الشونة في قوز المسلمية بين مدينتي مدني والحصاحيصا في 1785م، التحق بخدمة الإدارة المصرية كاتباً لشونة الغلال في الخرطوم بين عامي 1824 ـ 1834م، وفرغ من تأليف كتابه في 1838م.


سار كاتب الشونة في تصنيف كتابه عموماً على طريقة مؤرخي العرب وروى الأحوال حسب وقوعها سنة سنة، متناولاً تاريخ سلطنة سنار من قيامها إلى ما بعد العهد التركي المصري.


مخطوطة مهملة
ظل الكتاب مخطوطة مهملة لمدة طويلة، وعرفت بأكثر من عنوان في نسخه المختلفة والمنتشرة داخل وخارج السودان.


واشتهر الكتاب باسم مخطوطة كاتب الشونة نسبة لوظيفة مؤلفه الأول. واختار البروف يوسف عنوان (تاريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان).


وتبصرنا مقدمة التحقيق أن خير ما يعرفنا بالمخطوطة ويصف محتواها الرسالة التي بعثها حكمدار السودان غردون باشا إلى خديوي مصر في رفقة نسخة من هذا الكتاب ونصها (من الحكمدارية إلى المعية بتاريخ 3 رمضان سنة 1295 هـ (1878م).


إنه في هذه الدفعة استحصل كذا نسخة مؤلف ببيان أسماء حكام وملوك السودان السابقين وتاريخ تولية كل منهم وتخليه عن تولية الملك، وهكذا إلى أن امتلكت الحكومة الخديوية هذه الديار.


أهمية المخطوطة
برزت أهمية مخطوطة كاتب الشونة حين اعتمد عليها الكولونيل ستيورات في مقدمة تاريخية لتقريره للحكومة البريطانية عن حالة السودان فجر الثورة المهدية.


واستفاد منها نعوم شقير في كتابه (جغرافية وتاريخ السودان)، وهو الكتاب (العمدة)، حسب وصف من البروف يوسف له.


واستند عليها المؤرخ الإنجليزي بدج وليس في كتابه (تاريخ السودان المصري).


وشكلت مصدراً مهماً لجاكسون في كتابه (سن النار).


واستعان بها ماكمايل في كتابيه (قبائل شمال وأواسط كردفان)، و(تاريخ العرب في السودان).


ودفعت أهمية المخطوطة ماكمايكل إلى ترجمتها في 48 صفحة وعلق عليها بإسهاب في 25 صفحة، وكانت المحاولة لتحقيق المخطوطة.


وجاءت المحاولة الثانية من تحقيق المخطوطة من البروفسير مكي شبيكة الذي نشرها في العام 1947.


المخطوطة إجمالاً
إجمالا تؤرخ مخطوطة كاتب الشونة للسلطنة الزرقاء منذ نشأتها في 1504م حتى سقوطها في 1821م، ثم تمتد إلى العام 1871م.


وأسهبت المخطوطة في ذكر تفاصيل السنوات الأخيرة من عمر السلطنة، ابتداءً من عهد السلطان بادي الرابع.


ومرت على أربعة من المؤرخين التقليديين وتعرضت للتنقيح، وهي مصدر موصول بسيرة مؤلفها أحمد بن الحاج المعروف بـ (كاتب الشونة).


والمؤرخين الأربعة الذين مرت عليهم المخطوطة والذين نقحوها وأضافوا إليها حسب ترتيب البروف يوسف هم:
أحمد محمد جنقال، الزبير عبد القادر ود الزين، وهو المشهور بـ (ود ضوة)، إبراهيم عبد الدافع، والأمين محمد الضرير.


وتوجد نسخة من هذه المخطوطة  بالمتحف البريطاني، وهي إحدى النسخ التي حققها بروفيسور مكي شبيكة عام 1947 بعنوان (تاريخ ملوك السودان).


نسخ المخطوطة
توجد عدة نسخ من مخطوطة كاتب الشونة، فهناك نسخة في دار الكتب المصرية، وهي مصورة من نسخة المكتبة الأهلية بباريس.


وقد حقق هذه النسخة المؤرخ المصري الشاطر بصيلي عبد الجليل.


وهناك نسخة محفوظة في فيينا بالنمسا، وهي إحدى النسخ اعتمد عليها البروفيسور هولت المؤرخ البريطاني في تحقيقه، وهي تحوي معلومات عن جوانب مختلفة من تاريخ السودان.


ويرى الشاطر بصيلي في النسخة التي حققها بعنوان تاريخ ملوك السودان وأقاليمه إلى حكم محمد باشا سعيد، أنها مجهولة المؤلف، ويميل إلى أن مؤلفها هو الزبير ود ضوة، وأن إبراهيم عبد الدافع قد نقحها وصاغها.


ويعتقد دكتور عبد المجيد عابدين أن إبراهيم عبد الدافع هو مؤلفها.


وهنالك مخطوطة أخرى من كاتب الشونة تحت عنوان (تاريخ مختص بأرض النوبة).


الميسم السناري
يبدو أن الغوص الجديد الذي خاضه البروف يوسف فضل في تحقيقه لمخطوطة كاتب الشونة قد ارتبط  بـ (الممارسة الصوفية ذات الميسم السناري بتطهرها وإقبالها الصادق).


والعبارة بين قوسين صكها يراع الباحث الفذ الدكتور أحمد محمد البدوي في دراسة عن ظاهرة محمود محمد طه صدرت عن دار عزة للنشر الشهر الماضي بعنوان (مسرد النفس المرضية).


وعودة لارتباط البروف يوسف بالميسم السناري، فتراه واضحاً في سرده الجيد المسهب لمسوغات التحقيق، ونهجه وقواعده.


ذلك أن تشعب نسخ مخطوطة كاتب الشونة وما طرأ عليها من إضافات وتنقيح دفعه إلى تقديم تعريف موجز لكل نسخة، ثم ترجمة لكل مؤلف ومنقح لأي من هذه النسخ.


واستندت قواعد التحقيق على سبع مهارات علمية وفنية تعين المحقق في عمله.


عملية التحقيق
سار البروف يوسف في عملية التحقيق بالإطار النظري والضوابط التي سنها علماء التحقيق وفصلها تفصيلا جيدا في صفحتي (15 ـ 16) من المقدمة.


لكن البروف يوسف يعترف أنه لم يلتزم التزاماً كاملاً بقواعد التحقيق، فقد اضطرته طبيعة النسخ العديدة التي تعامل معها، وطول مداها الزمني لأكثر من 400 عاماً وكثرة من أسهموا في تأليفها وتنقيحها وقلة المصادر المتعلقة بمخطوطة كاتب الشونة.


إضافة إلى الإيجاز الذي يغلب على كثير  مما أرخت له المخطوطة، وكذلك غياب دراسات للخلفيات التاريخية لبعض ما تطرقت له.


كل هذه العوامل دفعت البروف إلى استحداث نهج يغلب عليه التفصيل في الحواشي، واستصحاب الروايات الشفوية لملء الثغرات، خاصة في مراجعة عروض أبيات الشعر ليستقيم الوزن.


كلمة الشونة
اشتقت كلمة الشونة من الفعل شون يشون تشويناً، أي بمعنى أمد أو ورد ويقصد بها توريد وتخزين البضائع في مكان واحد.


والشونة هي المكان الذي يتم فيه تخزين وتشوين البضائع.


وكان مؤلف المخطوطة أحمد بن الحاج يعمل كاتباً للشونة، ومن هنا جاء اسم مخطوطة كاتب الشونة، حيث  كانت هذه المهنة سائدة في عهد التركية.


اطمأنت نفس المحقق إزاء تعدد نسخ المخطوطة إلى ترجيح قدم نسخة نوتنغهام (ن) وقربها من الأصل إلى أخذها أساساً وعمدة لتحقيق المخطوطة.


ولم يحد عن ذلك إلا لضرورة ملحة كعدم استقامة المعنى أو استحالة قبول ما روي أو لسقط فيه.


وعند انتهاء نص النسخة (ن) اعتمد المحقق الترتيب الذي حدده لاعتماد النسخ الأخرى.


الغوص الجديد
حصاد الغوص الجديد في تحقيق البروف يوسف لمخطوطة كاتب الشونة أن البروف يوسف قد حسم الجدل المستعر منذ مطلع القرن الماضي، حول من كتب المخطوطة؛


بتأكيد أن مخطوطة كاتب الشونة قد أنتجها في شكلها النهائي خمسة كتاب نالوا قدرا طيبا من العلوم الدينية، ثلاثة منهم عاصر مرحلة التفكك التي غلبت على مملكة سنار قبل الغزو التركي المصري.


والتحق الكتاب الخمسة بخدمة العهد الجديد في مناصب مختلفة فأصبحوا جزءاً من آلية  التغيير التي فرضتها السلطة الجديدة.


ورصد هؤلاء تاريخ البلاد، فليس غريباً إلا يظهر شيء من الاستهجان لما أريق من دماء مواطنيهم وفرض ضرائب فادحة عليهم، وهكذا لم ينتقد الحكم الأجنبي أو يستنكر شيء من فظاعاته.


اجتهاد البروف
لا نستطيع أن نفصل بين اجتهاد البروف يوسف في علاقته مع المخطوطات كمدخل لكتابة التاريخ، وجهود كتابة تاريخ البلاد التي يبدو أنها تسير في طريق مسدود.


وقبل أن نتوه في هذا الطريق المسدود يتعين علينا في سياق التنويه بهذا التحقيق الرصين، أن نتذكر أن البروفسير يوسف فضل حسن لا يزال ينعمنا بفضائل كتابة التاريخ وفضائها الرحب.


بل ينبغي على حركة البحث العلمي في مجال التاريخ أن تعترف أن ليوسف فضل يداً في تأسيس هذا الفضاء وتسويغ الأساليب العلمية الجديدة.


بل النجاح في تغليبها على ما عداها من الأساليب القديمة.


ولا يسع المجال هنا للاستفاضة في تبيان هذا التأسيس.


لكن إجمالاً فقد أشعل البروف يوسف عود ثقاب في غابة التاريخ، وهو ليس مسؤولاً عمن يشوى على نار الحداثة، أحداثاً ليدلل بها على أفكار عفا عليها الزمن أو تجربة سياسية خائبة.

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."