آخر تحديث للموقع :17:12


التحولات الفكرية في مفهوم السياحة

إعداد: د. محمد خليفة صديق
صحفي وأستاذ جامعي
هذا العنوان هو عنوان لكتاب أصدره أخيراً الدكتور محمد عبدالكريم عبدالله الهد، وقد شغل منصب وزير السياحة والآثار والحياة البرية في الفترة من عام 2012- 2015.


والكتاب يقع في 137 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من ستة فصول، بجانب مقدمة وثلاثة ملاحق.


وأراد من خلاله أن يعبر عن عصارة التجربة الشخصية له كوزير للسياحة والآثار والحياة البرية بالسودان.


كما حاول أن يعبر عن المجهودات التي بذلها لإحداث تغيير فكري في مفاهيم السياحة في السودان والوطن العربي.


وعبر المؤتمرات الدولية التي مثل فيها السودان كوزير للسياحة، معبراً عن وجهة نظر الدولة السودانية.


خصص الفصل الأول من الكتاب للحديث عن التحولات الفكرية في مفهوم السياحة في السودان وفي العالم، كما تحدث في ذات الفصل عن السياحة العالمية، والسياحة في السودان.


كما تناول في الفصل الثاني التحولات الفكرية في مفهوم السياحة في السودان، من خلال ما عرف بمفهوم السياحة النظيفة.


وتغير الخطاب الوزاري الاتحادي في جانب السياحة، والدعوة للأخذ بالسياسة الشرعية في مجال السياحة.


بجانب المبادرات الإدارية والفنية في وزارة السياحة إبان وجود المؤلف فيها.


وفي الفصل الثالث الذي خصصه للحديث عن التحولات الفكرية في مفهوم السياحة في العالم العربي.


تحدث عن السياحة في دول الخليج، والسياحة في دول الشام، والسياحة في الدول العربية في شمال إفريقيا.


كما تحدث عن التحولات الفكرية المطلوبة في السياحة العربية.


بينما خصص الفصل الرابع للحديث عن التحولات الفكرية في مفهوم السياحة في العالم.


وتناول في الفصل الخامس، المردودات الاقصادية المتجددة للسياحة.


وتحدث في الفصل السادس عن المؤشرات الوطنية للسياحة، من حيث الضوابط الشرعية، والأخلاق والتراث القيمي السوداني، والعادات والتقاليد والأعراف السودانية.


وختم الفصل بالحديث عن استراتيجية تطوير السياحة في السودان.


كما حوى الكتاب كذلك تصوراً فنياً لعمل مؤشرات للسياحة في السودان (كنموذج) والدول الإسلامية.


والتأسيس لعمل يتواكب مع ما يشهده العالم من صحوة إسلامية ورجوع للدين.


ليكون هادياً لكل من يتقلد قيادة السياحة في السودان والعالم العربي والإسلامي في دفع عملية التأصيل والتطوير.


وللتميز بسياحة تشبه معتقداتنا ومثلنا وإرثنا الحضاري، وسط ضجيج الفوضى الفكرية والثقافية التي تجتاح العالم.


انتقال نوعي
وصف بروفيسور يوسف فضل حسن المؤرخ المعروف ومدير جامعة الخرطوم الأسبق الكتاب بأنه يمثل انتقالاً نوعياً وخروجاً عن المألوف في فكر السودانيين تجاه السياحة."
أ.د  يوسف فضل حسن المؤرخ المعروف ومدير جامعة الخرطوم الأسبق: الكتاب يمثل انتقالاً نوعياً وخروجاً عن المألوف في فكر السودانيين تجاه السياحة
"

مشيراً إلى أن أهمية الكتاب تنبع من كونه يمثل جانباً ملهماً من مذكرات المؤلف الذي أراد من خلاله أن يعبر عن عصارة التجربة الشخصية له كوزير للسياحة والآثار والحياة البرية بالسودان في الفترة من عام 2012م - 2015م.


كما حاول أن يعبر عن المجهودات التي بذلها لإحداث تغيير فكري في مفاهيم السياحة في السودان والوطن العربي، وعبر المؤتمرات الدولية التي مثل فيها السودان كوزير للسياحة، معبراً عن وجهة نظر الدولة السودانية.


في حديثه عن السياحة العالمية لفت المؤلف إلى أن السياحة تمثل أهم مصادر الدخل لكثير من الدول، وفي بعضها تعتبر المصدر الأول للدخل القومي.


مشيراً إلى أن السياحة صناعة متفردة متعددة الأدوار تحتوي على عدة صناعات، ومناشط خدمية، وغير خدمية، مثل خدمات الإيواء من فنادق ونُزُل وقرى سياحية.


وخدمات ترفيهية، كالمتنزهات العامة والحدائق، وحدائق الحيوانات العامة والحظائر الطبيعية المحمية والمفتوحة، والمتاحف الطبيعية والمتاحف الأثرية.


وقال: "السياحة أقوى  جسر للتواصل الثقافي بين شعوب العالم".


ولفت المؤلف إلى الدور الكبير للسياحة في التعريف بالثقافات الإنسانية، وبث الثقة في المكونات الثقافية، والتعرف عليها؛


والمحافظة على العادات والتقاليد الموروثة، ودعم الشباب والمرأة، ورفع قدرات الأفراد؛


وتقوية بنيات المجتمعات التقليدية واعتزازها بتاريخها وتطورها الإنساني.


 ورأى المؤلف أن أهم إيجابيات السياحة أنها تسهم في المحافظة على الموروثات التاريخية والثقافية والأنماط المعمارية المعاصرة المميزة، بجانب المحافظة على المعطيات العمرانية.


حيث تساعد السياحة في تبرير تكاليف عمليات الحفاظ على المواقع الطبيعية المهمة، كتطوير العمليات الطبيعية، وإنشاء الحدائق الوطنية والإقليمية، والبنايات ذات الطابع الجمالي، وذلك لكونها عناصر جاذبة للسياح.


كما تسهم في تحسين نوعية البيئة، حيث توفر السياحة الحوافز لتنظيف البيئة من خلال مراقبة الهواء، الماء، التلوث، الضجيج، معالجة النفايات.


سلبيات وإيجابيات
لفت المؤلف إلى أن من إيجابيات السياحة تحسين الصورة الجمالية للبيئة من خلال برامج تنسيق المواقع، والتصاميم الإنشائية المناسبة؛


واستخدام اللوحات التوجيهية وصيانة المباني، وإحياء الفنون والمناسبات التقليدية والصناعات التقليدية وبعض مظاهر الحياة المحلية؛


كما تساعد العائدات السياحية في إجمالي دخل الدول، وفي المساهمة في إعمار المتاحف والمرافق الثقافية المختلفة مثل المسارح؛


كذلك تنظيم المهرجانات والمناسبات الثقافية، كونها عناصر جذب للسياحة الداخلية والخارجية، بجانب دورها في دعم التبادل الثقافي بين المجتمعات. 


كما تطرق الكتاب لأهم سلبيات السياحة، وهي التأثير على الأمن الثقافي للدول المستقبلة للسياح من خلال الانفتاح السياحي.


كما أن السياحة تساعد على ازدياد نسبة السرقة والغش وخاصة في دول العالم النامي.


وفي بعض الحالات تولد حقداً وكراهية من قبل أهل البلد تجاه السياح والتي يطلق عليها (Xenophobia) وخاصة في الدول الفقيرة.


كما قد تساعد على انتشار الأمراض والأوبئة؛


ولكن أغلب الدول عالجت هذه المشاكل بطلب من السياح الحصول على تلقيح ضد أمراض معينة عند الحصول على تأشيرات الدخول.


كما قد تساعد السياحة على تغير عادات وتقاليد المجتمع المحافظ؛


ولكن هذه المشكلة تمكنت كثير من الدول من معالجتها عن طريق تشديد الرقابة والوعي في المجتمع.


كما أن إقامة كثير من المشاريع السياحية قد يؤدي إلى تلوث البيئة. 


معوقات السياحة
 يرى المؤلف أن أكبر المعوقات والمشكلات التي أقعدت تطور السياحة في السودان تتمثل في ضعف ثقافة ومفهوم صناعة السياحة  عند عامة المجتمع.

"
د. الهد: أكبر المعوقات والمشكلات التي أقعدت تطور السياحة في السودان تتمثل في ضعف ثقافة ومفهوم صناعة السياحة  عند عامة المجتمع
"

كما يرى أن هذا الضعف ناتج من استلاب ثقافي وعادات موروثة لا تمت للدين بصلة؛


بجانب ضعف ثقافة ومفهوم صناعة السياحة عند المخطط الاقتصادي للدولة؛


بجانب ضعف ثقافة ومفهوم صناعة السياحة عند متخذ القرار السياسي في المستويات المتوسطة والحزبية؛


والتي يرى المؤلف أنها نتائج للخوف من النموذج الغربي للسياحة.


ومن معوقات السياحة في السودان، بحسب المؤلف، ضعف ثقافة ومفهوم صناعة السياحة عند المفكرين الإسلاميين السودانيين.


بجانب غياب السياحة من ثقافة المخطط السياسي حال تخطيطه لبناء الدولة في السودان.


وعدم حضور السياحة في هيكل الاقتصاد السوداني ووظائفه، ولا تحسب من الموارد ذات الأولوية، بالرغم من وجود مقوماتها الأساسية.


وعدم وجود خطة قومية لكيفية تنمية وتطوير السياحة وفق مشروعات وأهداف كمية محددة مبنية على رؤية إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى.


وعدم وجود أراض محجوزة لأغراض الاستثمار السياحي الميسر.


ويرى المؤلف أن أكبر العوائق للمردود الاقتصادي للسياحة في السودان نتجت من التشوهات الدستورية بين مستويات الحكم المختلفة وعدم وضوح الدستور القومي والقوانين القومية والولائية في الشأن السياحي.


وعدم تفصيل اختصاصات مستويات الحكم المختلفة في مجال السياحة والاستثمار؛


ووجود قوانين واختصاصات وصلاحيات متناقضة أدت للتنازع بين الوزارات القومية والولائية؛


مما أدى إلى تشوه الأداء العام للدولة، وأضر بحركة السياح، وأثر سلباً في حركة السياحة في السودان.


كما يبرز ضعف تطبيق القوانين التي تحمي المواقع الأثرية، والسرقات الأثرية، والتعديات عليها من جهات متعددة بصورة مستمرة؛


إلى إهدار المكنونات الوطنية كأحد المعوقات المهمة للسياحة.


بجانب فرض رسوم على قطاع السياحة من جهات مختلفة، وسوء تحصيلها أدى إلى آثار سالبة أعاقت نمو الاستثمار في القطاع.


وضعف دور القطاع الخاص الوطني وبُعدهُ عن التاثير يعتبر من أكبر المعوقات للنمو السياحي.


التحولات الفكرية في مفهوم السياحة
يقول المؤلف:" بحكم ما نحمل من مبادئ موجهة لنا في الحياة ينبغي أن نبني ممارساتنا وتفكيرنا على أساس أخلاقي ينبع من تلك المبادئ الكلية ويكون ملتزماً بالحكمة".


فكان لابد من إعمال الفكر لوضع أُسس كلية هادية للعمل بوزارة السياحة والآثار والحياة البرية في السودان؛


لإحداث التغير المنشود في الفكر الإستراتيجي العام للبلد، وإحداث التحول الثقافي للدولة الحديثة؛


والتحرر من الاستلاب الثقافي المشكل من الثقافة والممارسة الثقافية العلمانية الحديثة.


وما يحدث في دول الخليج من انفتاح سياحي، وظلال السياحة الدولية، بابتكار أفكار جديدة قابلة للتطوير ومرنة يمكن تبنيها من قبل الدول الإسلامية والعربية".


ويشير المؤلف إلى مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، أن الانفتاح السياحي يعتبر أداة من أدوات العولمة.


ويمضي المؤلف للقول:" السياحة تقود إلى تسليع الثقافة وتمويه العقيدة، وتغريب الذوق الجمالي والفني للمواطنين الأصليين؛


وتجيير في كل من الفلكلور والفنون، مما يدعم الميراث الإستعماري عن طريق تبعية اقتصادية سياسية".


ويرى أنه وبتوفيق الله ابتدع المؤلف فكرة يرى أنها يمكن أن تشكل التحول في المفهوم السياحي السوداني وتجديده، وهي فكرة السياحة النظيفة.


واجتهد في تثبيت الفكرة من النواحي العقدية والفكرية، وبدأ أولاً بتثبيتها في وجدان الشعب السوداني ومتخذي القرار السياسي والقيادات من التنفيذيين والتشريعيين؛


فقد كانت نظرة السودانيين بمختلف مشاربهم سالبة لكل ما يمت للسياحة بصلة؛


وينظر لها فقط بأنها حرام بالكلية، وأنها تدعو إلى ممارسة الرذيلة والتفحش والتعري وشرب الخمر والغناء والرقص؛


وتلك ثقافة تشكلت داخل الوجدان السوداني وغذيت بمفاهيم دينية غير مبررة شرعاً.


حيث يرى المؤلف أن تلك نظرة ثقافية سائدة لا تقبل فكرة وجود ثقافة سياحة غير المنتج السياحي ذي الصبغة الغربية للسياحة؛


حيث لا يتصور أحد وجود شكل آخر للسياحة غير الشكل الذي قدمته وتقدمه الدول الغربية بواسطة شركاتها السياحية وملحقاتها من فنادق وملاهٍ ومنتجعات وأماكن استجمام وأسفار وغيرها.


وتلك ثقافة سياحية يشوبها كثير من الأخلاقيات والسلوكيات التي تتنافى مع قيم الإسلام؛


فنفور الوجدان السوداني طبيعي، لتمسكه بالقيم الثقافية والحضارية التي تنبع من روح الإسلام.


تأصيل السياحة
يمضي المؤلف إلى القول: "فرضت علينا تحديات المشكل الثقافي والشرعي لتأصيل السياحة؛"
المؤلف:  السياحة من المكونات الأساسية للاقتصاد ونرغب فيها، ولكن وفق طلب سياحي منضبط بمنهجنا وفهمنا للحياة
"

بكل ما تحمله السياحة إيجاباً من بشريات اقتصادية وتواصل ثقافي وإنساني؛


وما تحمله السياحة أيضاً بين طياتها من سلبيات، تعاني منها المجتمعات المنفتحة سياحياً، والمتطلعة للنمو الاقتصادي دون مراعاة للأمن الثقافي؛


أن نلج برؤية وثبات لوضع موجهات عامة تعين الدولة على السير قدماً في برامجها لإصلاح الحكم المنضبط بالتوجهات الفكرية الإسلامية.


فاذا كان الغربيون قد صاغوا للسياحة مفهومها الخاص بهم والذي يتناسب مع تصوراتهم للحياة المستمدة من الفلسفة المادية التي تنكر الغيبيات، ولا تعبأ بالأخلاق؛


وتتعامل مع المبادئ تبعاً لما توفره لهم من فائدة مادية عاجلة أو آجلة، وتدفع الفرد للعبّ من الشهوات؛


واقتناص فرص اللهو خوفاً من الموت الذي هو نهاية كل شيء عندهم؛


فإن من حق المسلمين اليوم - وقد دخلوا للسياحة من بابها الواسع - أن يضعوا للسياحة مفهومها الخاص بهم؛


والذي ينسجم في عمومه مع مقاصد الشريعة، ويلتقي مع الأخلاق الإسلامية والأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد الحميدة التي تشكل اللحمة التي تشد أركان المجتمع وتحفظ شبكة علاقاتة من التفكك؛


ولذا فمن حق المسلمين التمتع بالأسفار والخلود للراحة والتنزه بإجازاتهم بما يحفظ دينهم وأسرهم وأبناءهم وشبابهم من الضياع والتشتت.


وسعى المؤلف إلى معالجة عدد من الأسئلة حول بديهيات التخطيط  السياحي؛


وتتمثل في: هل حقاً نحن نريد سياحة؟ وما هي أهدافنا من السياحة؟ وما نوع السياحة التي نريد؟؛


وهل السياحة المطلوبة مفتوحة أم سياحة مشروطة ومنظمة وهادفة؟ وهل عندنا استعداد لاستقبال السياح؟ وما هي مواصفات السائح التي نريد؟.


ثم بدأ مباشرة في الإجابة عن هذه الأسئلة بقوله: "بما أن السياحة من المكونات الأساسية للاقتصاد فنحن نرغب فيها، ولكن وفق طلب سياحي منضبط بمنهجنا وفهمنا للحياة من خلال المنظور القيمي للدولة السودانية ومشروعها الحضاري.


وتتمثل الأهداف السودانية في إحداث تنمية سياحية متوازنة ومستدامة تساهم في التطور الإقتصادي، وتعمل على تنمية المجتمع، وتوفير فرص العمل.


مع المحافظة على البيئة والأصالة الثقافية، ومع المحافظة على الموارد الطبيعية والمادية والموروثات الثقافية والسعي إلى التواصل مع الشعوب.


لفت المؤلف إلى أن أدبيات السياحة السودانية لم تحدد نوع السياحة التي تريد، ووفق أي منظور؛


وهل هي سياحة مفتوحة أم سياحة مشروطة ومنظمة وهادفة، أو كالتي تدعو إليها أدبيات الدولة العامة والمعلنة.


كما اعتبر أن المنتوج السياحي للسودان ضعيف، وقال: "نحن في حاجة ماسة لتجهيزه وتطويره بالفن والتكنلونوجيا الحديثة،؛


وبما يحقق أهدافنا ويخدم تواصلنا مع الشعوب كأهل حضارة غنية.


كما أن مواصفات السائح القادم إلينا يجب أن تلائم معتقداتنا ومنظورنا الثقافي؛


وينبغي أن تكون وفق مقاصد الشريعة دون غلو أو تهاون؛


ولذا برزت الحاجة لإنفاذ منظور الدولة، والذي كان يقتضي هذه التحولات الفكرية العملية في قطاع السياحة؛


وتلك هي المرحلة التي أنتج فيها المؤلف معروضه الفكري".

 

السياحة والسياسة الشرعية
وضّح المؤلف أن الدعوة للأخذ بالسياسة الشرعية كان هو ديدنه في كل البرامج التي تعرض في المجال السياحي.


وأنه كان مبادراً لتأكيد الأصول الشرعية وأهمية الأخذ بها، ووضعها كواحدة من العوامل الأساسية التي يجب أن تقوم بها الدولة دون استثناء.


ولابد من أهمية الإدارة وفق تلك السياسات الشرعية وإلزام النفس بها وتطبيقها عملياً.


وقال: "ذاك كان ديدننا في قيادة عملية التغيير في القطاع السياحي السوداني".


ومن بين ما تحدث عنه المؤلف في هذا الصدد أنه تمكن من إحداث  تغيير جوهري في لغة الخطاب السياحي للوزير الاتحاديح


من خطاب تقليدي عادي، لخطاب يحمل مضامين شرعية دينية تعيد صياغة تعريف السياحة بما يخدم قضية التغيير نحو المفاهيم الملتزمة بالدين"؛


فالخطابات تعتبر من أهم اللمسات التي بدأت أضعها في مفهوم السياحة في السودان والعالم العربي والإسلامي.


وكنت أبتدر خطاباتي دائماً بقوله تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير"، سورة العنكبوت، وغيرها من الآيات ذات الصلة، ثم الصلاة والسلام على المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم.


وقال: "وقد وُفقت في بدايات تقلدي لمنصب وزير السياحة السوداني الاتحادي أن كُلفت برئاسة المجلس الوزاري العربي في دورته الخامسة عشرة، فكنت أول وزير سوداني يشغل ذلك المنصب، فأتاح لي ذلك فرصة سانحة لإبداء ما أؤمن به من فكر ورؤى".


ويشير المؤلف إلى أنه بدأ بعد ذلك في بث الفكر السياحي الجديد المبني على السياحة النظيفة ذات الرؤى الإسلامية في العديد من خطاباته.

وكان يبين فيها أن السياحة هي العنصر المتجدد والنامي في الاقتصاد، وأنها من أهم أهدافها التنمية المستدامة من أجل رعاية المواطنين وتحقيق مجتمع التكافل والتعايش والنماء والتطور.


كما ذكر المؤلف أن النشاط السياحي في الولايات خلا من رؤية منهجية واضحة للنموذج السياحي المراد تطبيقه؛


واختلط في مضامينه بالجانب الثقافي فغلب عليه جانب الغناء والطرب، وقلّت فيه التراثيات الثقافية والرحلات الترفيهية ذات الأبعاد التربوية.


المؤشرات الوطنية للسياحة
وضع المؤلف ما يرى أنه يمكن أن يكون نقاطاً أساسية للمؤشرات الوطنية للسياحة السودانية كنموذج يمكن أن تؤسس عليها السياحة النظيفة.

"
الكاتب: القواعد المنظمة لحركة السائح الصادرة من منظمة السياحة العالمية أقرت أهمية التزام السائح باحترام عادات وتقاليد وثقافات البلد المضيف الذي يود زيارته
"
ويمكن أن يبنى عليها وتوسع من أجل المحافظة على سياحة وطنية مستمدة من ديننا ومثلنا، وهي تقوم على مجموعة من النقاط؛


أبرزها: الضوابط الشرعية والأخلاق والتراث القيمي السوداني، والعادات والتقاليد والأعراف السودانية.


وحول المؤشر الأول: الضوابط الشرعية للسياحة، رأى المؤلف أن الضوابط الشرعية للسياحة السودانية والإسلامية تتمثل في عموم ما ينظم المجتمعات الاسلامية من معاملات ومظهر عام للمجتمع يحترم قيم ومبادئ الدين الحنيف؛


فالمجتمع الإسلامي مبني على قوة الرابطة التي يضعها بين المسلمين ويجعل منهم جسداً واحداً يتجه إلى غاية واحدة؛


كما أن المجتمع الإسلامي يحتكم إلى قاعدة أن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع؛


فهو ملتزم التزاماً لا تحويل عنه ولا تبديل بالأحكام الشرعية التي تنظم تصرفات الأفراد وشؤون الأسرة وأخلاقيات المجتمع، ويرى ذلك كله جزءاً من التزامه الديني وعبوديته لله تعالى؛


فسمات المجتمع المسلم تعتبر مكوناً قيمياً تراثياً متفرداً لا يوجد مثلها في المجتمعات الأخرى.


ومن أبرز سمات المجتمع الإسلامي أنه مجتمع ملتزم بالشرع، جاد، متسامح، آمن، متناصح، تسوده المساواة، متراحم، مطيع لأولي الأمر.


وكان المؤشر الثاني بحسب المؤلف، هو احترام الإسلام للأديان السماوية والملل والنحل الأخرى وحقوقها في العبادة وحرية ممارستها، وهي جزء من مكنونات السودان الجغرافي والثقافي؛


وبالإمكان إسقاط أحكام أهل الكتاب وغير المسلمين على حركة السياح في البلاد كل حسب ملته، مع مراعات الحقوق الإنسانية العامة للتواصل بين الشعوب وفق الحريات المنضبطة.


وفي القواعد المنظمة لحركة السائح الصادرة من منظمة السياحة العالمية ما يفيد ويزيل كثيراً من العوائق، فقد أقرت القواعد المنظمة أهمية التزام السائح باحترام عادات وتقاليد وثقافات البلد المضيف الذي يود زيارته.


ولعل ذلك به إزاحة لكثير من المخاوف التي تحجم ولوج أهل العلم في قضايا السياحة والاجتهاد في مضمار السياحة كواحدة من مكونات الدولة الحديثة. 


وأشار المؤلف إلى الأخذ بالوسطية في المسائل الفقهية القديمة والمستحدثة كؤشر ثالت.


ووصفه بأنه باب كبير للمجتهدين من أهل العلم للولوج بفقه للعمل السياحي، واستخراج الدرر العلمية وفق مقاصد الشريعة.


وقال: "لاشك أن الإسلام يحث على حسن التعامل مع الناس؛ فأغلب السياح مهمومون باكتشاف المجتمعات الغربية على بيئاتهم ومجتمعاتهم الثقافية؛


ودراسة سلوكياتها العقدية التراثية والثقافية والطبيعية من صحاري وغابات ومناظر طبيعية خلابة والاستئناس بمظهرها في البرية والطبيعة".


وقال إن الأخذ بهذه الوسطية أتاح التعامل الشرعي بالمشاركات العالمية والإسلامية والإقليمية والمحلية في مجال السياحة والآثار والحياة البرية؛


بما فيها من كثير من المخالفات الشرعية (دون ممارستها أو قبولها)، إنفاذاً للتكليف وتواصلاً مع المجتمع العالمي، وبالتالي أتاحت – للمؤلف- المشاركة إيصال رؤاه في ما يلي السياحة وفق العقيدة والمبادئ الدينية التي يؤمن بها.


وفي مؤشر أحكام أهل الكتاب، قال المؤلف: "أبواب الفقه واضحة في التعاملات الإنسانية والاجتماعية مع أهل الكتاب، بما يصب أيضاً في التعاملات السياحية المنضبطة؛


وفي قوانين المنظمة العالمية للسياحة ما ينظم العلاقة بين السائح والبلد المضيف، بما يحفظ تقاليد وعادات ومُثل ودين البلد المضيف واحترام قوانينه وقيمه؛


فالإسلام يحث على حسن التعامل مع أهل الكتاب وحفظ حقوقهم الدينية والمدنية، سواء كانوا معاهدين من المواطنين أو مواطني الدول الأخرى.


وفي مؤشر أحكام المشركين غير المحاربين، وضح المؤلف أن أبواب الفقه واضحة في التعاملات الإنسانية والاجتماعية مع غير المسلمين من المشركين غير المحاربين؛


ومن اللادينيين من أهل الديانات وغير أهل الكتاب، ومن الوثنيين، ومن لا يؤمنون بإله لهم، ممن هم غير محاربين للدول المسلمة، فيدخلون في أحكام أهل الذمة؛


وهم الأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين، ولهم حقوق وعليهم واجبات، ويجير الإسلام الأهداء لهم لفعل عمر رضي الله عنه؛


فقد أهدى حلته لأخ له مشرك، كما في صحيح البخاري، ويقاس عليهم مواطنو الدول غير المحاربة والتي في حالة هدنة وسلم دبلوماسي واقتصادي.


وكل ذلك يصب أيضاً إيجاباً في التعاملات السياحية بما يحفظ الحقوق والواجبات.


وللدول حديثاً أعراف دبلوماسية بما يحفظ الحقوق والواجبات وينظم العلاقات بصورة جيدة حسب المصالح المشتركة.


كما يجب أن يتقيد السياح بقوانين المنظمة العالمية للسياحة بما ينظم العلاقة بين السائح والبلد المضيف، بما يحفظ تقاليد وعادات ومثل ودين البلد المضيف واحترام قوانينه وقيمه.


ودعا المؤلف إلى الجمع بين معاملة أهل الذمة والقواعد الفقية الأخرى، مثل (لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين، حيث إن استلهام كل القواعد الفقهية بواسطة أهل الاختصاص ينتج فقهاً مكتملاً.


فمثلاً قاعدة (لا ضر ولا ضرار) من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي والتي يمكن أن تعمل بواسطة المختصين في المسائل المستحدثة.


كذلك (قاعدة ارتكاب أخف الضريين) وهي من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي والتي إن تم إعمالها في المستحدثات من أمور الحياة، وفقه الأحكام السلطانية.


يمكن تحقيق كثير من مصالح المسلمين في العلاقات الدولية والعلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويمكن أن تعمل بواسطة المختصين في المسائل المستحدثة.


لأجل تطوير السياحة في السودان
من أبرز ما تميز به الكتاب أنه وضع مؤشرات لإستراتيجية تطوير السياحة في السودان.


حيث وضح أن من الضروري توجيه الخطط التنموية نحو تطوير البنية التحتية؛


وتدريب ورفع قدرات الموارد البشرية الوطنية في القطاع السياحي بتأهيل وتطوير العاملين في القطاع الخاص من فندقة ووكالات السفر الجوي والبحري؛


والعاملين في المطاعم والمتنزهات وتثقيفهم بما يهدف لتحقيق أهداف السياحة؛


ورفع كفاءة الأطر الحكومية من العاملين في إدارة وتنظيم العمل السياحي ومن شرطة السياحة، وشرطة الحياة البرية، والعاملين في إدارات المتاحف؛


والذين يرى المؤلف ضرورة رفدهم بأدبيات العمل السياحي وكيفية تطويره ونمائه، وتثقيفهم بما يحقق أهداف السياحة ومقاصد الدولة.


وشدد المؤلف على ضرورة رفع الكفاءات من خلال كليات ومعاهد السياحة المختلفة بواسطة مناهج راقية وهادفة موجهة لشريحة العاملين في القطاع وأخرى لأصحاب المهن السياحية؛


وإثراء مناهج تدريب الفاعلين المباشرين في مجال السياحة، بإدخال تقنيات التفاعل والتواصل بين الفاعلين المباشرين في مجال السياحة والسائح (أي كل ما يتعلق بعلم النفس التسويقي / علم النفس الثقافي / علم النفس الاجتماعي وغيرها من العلوم ذات الصلة)؛


وتدريب المرشدين السياحين على الخطاب السياحي، وعلى الإستراتيجيات السيكلوجية ذات الصلة بالسياحة واللغات.


عموماً يمكن القول إن الكتاب وضع لبنة في مسعاه لإحداث التحول الثقافي للدولة الحديثة والتحرر من الاستلاب الثقافي المشكّل من الثقافة والممارسة الثقافية العلمانية الحديثة للفكر السياحي المستمد من النموذج الغربي للسياحة.


وحاول أن يقدم أفكاراً جديدة يمكن تبنيها كبديل للمفهوم الغربي للسياحة، وذات تنافسية ومردود اقتصادي يحقق التنمية المستدامة؛


ويحافظ على التراث والقيم، ويحقق الأمن الثقافي، دون الذوبان في النموذج الغربي للسياحة.


كما حوى الكتاب بين جنباته نموذجاً لمؤشرات وطنية للسياحة يمكن تطبيقها حسب الدولة ووضعها الثقافي.

 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."