آخر تحديث للموقع :22:54


(فول بي طرادة وستة عيش)

بقلم: معتصم الشعدينابي
صحفي بالشروق نت
والدي العزيز أمي الحبيبة إخوتي الأفاضل أهلي الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كيف حالكم وأحوالكم في هذه المدة الطويلة التي لم نركم فيها نسأل الله أن تكونوا بخير وصحة جيدة كما نحن والحمدلله على مايرام ولا ينقصنا شيئا سوى رؤياكم الغالية.


أما إذا دار محور سؤالكم عنا: (هيييييييه) .. ودعوني أشرح لكم بشيء من التفصيل وأحيانا التطبيل وربما التضليل.


المهم أننا لا زلنا نأكل ونشرب ونركب المواصلات وننام ونصحو رغم كل شيء ونحمد الله على ذلك.


والدي العزيز تذكرت الآن وبالتفصيل استعداداتك للخروج للعمل منذ بدايتها في السابعة إلا ربع بعد أن تكون قضيت ساعة كاملة في المسجد بعد صلاة الصبح وحتى شروق الشمس.


وأتذكر موعد الترحيل الذي يكون أمام الباب في الفترة مابين السابعة والثلث والسابعة والنصف.


ونستمتع نحن في الإجازة غالبا بمراسم الوداع والاستقبال.


معنى الهدر الحقيقي
وكثيراً ما كنت أتهم محطة إكثار البذور الحديبة التي كنت تعمل بها بإهدار أموال الدولة وأتساءل كيف تأتيكما عربتان منفصلتان أنت و(عم الأمين) الذي كان يعمل في محطة بحوث الحديبة (الأبحاث)."
إخوتي الصغار غالبا ما يكون فطورهم أفضل من فطورنا، فقد يتضمن (قراصة وكسرة وعيش وما تبقى من ملاح الغدا)
"

ولم أعرف الفرق بين (الإكثار) و(الأبحاث) حتى جاءت الشركة العربية للـ (....).


ولم أعرف الهدر الحقيقي إلا بعد أن كبرت و(جيت الخرتوم).


واستغرب الآن كيف كان الوقت يكفي للقيام بكل تلك الطقوس قبل موعد الترحيل.


واتذكر جيدا أنك كنت تفطر بالبيت ثم تشرب شاي الصباح قبل الترحيل خاصة وأنني كنت أفطر مرتين، واحدة معك والثانية في الموعد الرئيسي.


وبمناسبة (فطور أبوي) أتذكر أن الفطور لم يكن هماً شاغلاً لأمي كما هو اليوم.


أي لا يتطلب إعداداً مبكراً فقد كان يتكون من أي شيء يوجد بالثلاجة (عدس ،بيض، آخر) مع الفول (الفريش).


ولم يكن فطور (أبوي) وثلاثة من إخوتي في المدرسة سوى واحد جنيه نعم واحد جنيه.


وكانت لدي نغمة محفوظة لدى سيد الدكان كل صباح لدرجة أنه أصبح يبادرني بها وهو يحاول تقليد صوتي (فول بي طرادة وستة عيش).


كنا أربعة في سن (التمدرس) ولكل واحد منا (عيشة لحشوة الفطور) وعيشتان لـ (فطور أبوي) وكنت كثيراً ما أتطفل على (عيشتين أبوي) وأعتذر الآن عن هذا التطفل.


بقية إخوتي الصغار كانت أمي تتدبر أمرهم فتذهب هي إلى الدكان في المرحلة الثانية في وقت لاحق.


وغالبا ما يكون فطورهم أفضل من فطورنا، فقد يتضمن (قراصة وكسرة وعيش وما تبقى من ملاح الغدا).


البحث عن (كيس)
تذكرت عبارتي التي كان يحاكيني فيها وأصبح يبادرني بها معتصم خليل (سيد الدكان) وهي (فول بي طرادة وستة عيش)."
البحث عن (الكيس) ذكرني لون وشكل (جك) و(بستلة) الفول وقتها وكيف أن (الكيس) لم يكن له وجود، فكنا نسميه (كيس الدعاية) وهو (كيس الجيلاني)
"

و(الطرادة) ٢٥ قرشاً والجنيه كان وقتها يساوي ٨ (رغيفات) قبل أن يسحبوا من الرغيفة ٢٠ أو ٣٠ جراما كما سحبوا من الجنيه أصفاره.


تذكرت ذلك وأنا في أحد دكاكين الحلفايا أسعى بين الدكان والفرن بحثا عن (كيس).


فالعيش متوفر بكثرة وكذلك الفول ولا داعي لذكر الأسعار والفرق بين اليوم والأمس.


ولكن كان سعيي بحثا عن (كيس) واستغرق ذلك البحث ما استغرق من إهدار الوقت والكرامة والذكريات.


وتذكرت لون وشكل (جك) و(بستلة) الفول وقتها وكيف أن (الكيس) لم يكن له وجود، فكنا نسميه (كيس الدعاية) وهو (كيس الجيلاني).


نبحث عن (الأكياس) رغم قناعتنا بأنها واحدة من مسببات الأمراض و(المحقة) ونزع البركة.


ولكن نرى أنه كان يجب توفير البدائل قبل إيقاف مصانع البلاستيك التي يجب إلزامها بتصنيع أكياس بمواصفات صديقة للبيئة.


إذ لا يعقل أن يأخذ كل موظف وموظفة (بستلة) أو (جك) اللبن والفول أو قفة الملاح وهو متوجه إلى عمله استعداداً لرحلة ما بعد الدوام.


 حمل (العيش) على اليدين لم يكن غريباً في ذلك الزمان وغالباً ما يكون (كيس العيش) المصنوع من بعض جوال السكر موجوداً في كل بيت،  هذا بعد زمن (المخلاية) و(الخرج) - بضم الخاء والراء - و(القفة).


 ولا وقت للشرح الآن لمن لم يفهم هذه المصطلحات المهم أن الفول و(العيش) والسكر كانت تعيش في تآلف تام في كل بيت.


أما الزيت فكان موجوداً بالطبع في البيوت وعلى نوعين، زيت سمسم للفول وزيت فهد للملاح، ولم يكن يشكل هاجساً، لذلك لم يدخل في ميزانية الفطور اليومية ولم يزاحم الفول والعيش في الجنيه.


لم أذكر (الكاتشب) في خطابي أعلاه لأن الحقبة التي أحكي عنها كانت تسمى بالديمقراطية، ولذلك حرمتنا هذه الديمقراطية من الكاتشب كما حرمتنا من الهوت دوغ والبيتزا وكل الطيبات، إلى أن جاءت الإنقاذ جزاها الله عنا خير الجزاء، فعوضتنا عن كل مافقدناه وأكثر.


والدي العزيز أمي الحبيبة إخوتي الأعزاء أهلي الكرام ما تذكرته اليوم وأتذكره لا يمكن تسطيره في جواب واحد، ولذلك سأكتب لكم عن الحال في  أجزاء لاحقة إذ لم أتجاوز حتى الآن ترحيل و(فطور أبوي) وفطور المدرسة ومازالت هناك الكثير من التفاصيل.


ملحوظة
عزيزي المقيم في الخرطوم لاتنسى أن تخرج قبل أن تأخذ معك في جيبك ما أمكن  من (أكياس) ومن كان عنده فضل (كيس) فليعد به على من لا (كيس) له.


وفي الختام .. تقبلوا تحياتي
و إلى أن نلتقي في خطاب آخر بلغوا سلامي إلى جميع الأهل.


ابنكم معتصم الشعدينابي


يجدكم بخير
مع تحياتي لساعي البريد



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."