آخر تحديث للموقع :22:54


رفع العقوبات.. اليأس الأميركي من إزاحة النظام

بقلم: اليكس دي وول، صحيفة ميل آند قارديان الجنوب أفريقية
ترجمة: إنصاف العوض
قرار الإدارة الأميركية برفع معظم العقوبات المفروضة على السودان، الذي أعلن أخيراً تأخر كثيراً. وقد يرى بعض المعلقين ذلك من خلال منظور التغير الذي طرأ على السياسة الخارجية في عهد إدارة ترامب، ولكن ذلك لن يكون صحيحاً.


 إذ عملت إدارة الرئيس الأميركي السابق براك أوباما معظم السنوات الثماني التي قضتها في سدة الحكم على رفع العقوبات، ولم تتمكن إلا من اتخاذ قرار فيها خلال الأيام الأخيرة من عمرها في يناير من هذا العام.


وما قام به الرئيس ترامب ما هو إلا إنفاذ لما بدأه سلفه أوباما دون تغيير.


وبالرغم من ذلك، فإن هناك عدة أسباب تجعل رفع العقوبات هو القرار الصحيح.


العمل في الظلام
أولاً: لم تساهم العقوبات المفروضة على السودان في إرساء الديمقراطية أو حقوق الإنسان."
العقوبات الأميركية لم تعد لدىها أي مصداقية وهناك قائمة طويلة من الوعود الأميركية لرفع العقوبات لم يتم الإيفاء بها
"

ومعظم هذه العقوبات كانت قائمة منذ عشرين عاماً أو أكثر. وعليه فإن الفكرة القائلة بأن الإبقاء عليها دون تغير من شأنه أن يؤدي إلى سقوط النظام فكرة سخيفة.


فقد أظهر السودان والرئيس عمر البشير قدرة كبيرة على التحمل.


كما أدى في الوقت نفسه إجبار جزء كبير من النشاط الاقتصادي في البلاد على العمل في الظلام إلى زيادة اعتماد النخبة السياسية والاقتصادية على بلدان أخرى خاضعة لجزاءات عقابية مثل بعض دول الشرق الأوسط وآسيا والشركات المستعدة للتحايل على العقوبات.


والذين عانوا فعلاً من العقوبات معظمهم رجال أعمال شرعيون.


ثانياً: لم تعد لدى العقوبات أي مصداقية وهناك قائمة طويلة من الوعود الأميركية لرفع العقوبات لم يتم الإيفاء بها.


ففي عام 2001 كان وعد إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بتطبيع العلاقات مع السودان أحد العوامل التي دفعت الحكومة السودانية إلى التفاوض والتوقيع على اتفاق السلام الشامل.


نكوص أميركي
 وعندما وقعت الاتفاقية في يناير 2005 تراجعت الإدارة الأميركية عن وعدها، وقالت إن الحرب في دارفور مستعرة.

"
السيناتور جون كيري وعد بأنه في حالة تم السماح لجنوب السودان بالاستقلال بتعاون تام من شمال السودان، سيتم رفع العقوبات والبدء في عملية تخفيف الديون
"
وفي العام التالي وضعت الولايات المتحدة شروطاً تتعلق بدارفور لرفع العقوبات، أهمها توقيع اتفاق سلام والسماح بقوات الأمم المتحدة بالدخول للإقليم.


ونفذت الخرطوم كلا المطلبين، إلا أن واشنطن لم تبادلها الإيفاء بالتزامها بالمثل.


ولعل أهم الوعود التي لم توف بها الولايات المتحدة الأميركية ذلك الذي قطعته عند انفصال الجنوب في العام 2011 اذ تعاونت الحكومة السودانية في الاستفتاء على تقرير المصير في جنوب السودان، وأيدت ورحَّبت بالنتيجة علناً.


 وخلال هذه العملية عمل السيناتور جون كيري مبعوثاً رئاسياً للسودان، ووعد بأنه في حالة تم السماح لجنوب السودان بالاستقلال بتعاون تام من شمال السودان، سيتم رفع العقوبات والبدء في عملية تخفيف الديون.


 والنتيجة أن انفصل جنوب السودان سلمياً ولم تفِ الولايات المتحدة بما يليها من الصفقة.


أسباب سياسية
وعلى الرغم من وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب لعدة أسباب في التسعينيات، فإن السبب في عدم إزالته من القائمة سبب سياسي بحت.

"
رغم استمرار السودان في التعاون مع وكالة المخابرات المركزية، التي ظل يتعاون معها حتى قبل 11 سبتمبر، تم الإبقاء على اسمه ضمن القائمة
"
فمع استمرار السودان في التعاون مع وكالة المخابرات المركزية، التي ظل يتعاون معها حتى قبل 11 سبتمبر، تم الإبقاء على اسمه ضمن القائمة.


ولعل السبب يعود إلى أن السودان لم يكن يحظى بشعبية كبيرة في الكونغرس.


ولهذا تم الإبقاء على العقوبات بدعوى أن الحكومة السودانية كان لديها سجل ضعيف في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية.


غير أن اعتبار العقوبات حافز للحكومة لتغيير سلوكها لن ينجح إلا إذا كان ذا مصداقية.


 أي أنها ترفع حينما توفي الحكومة بما يطلب منها.


وفي حال غير البلد المعاقب المعايير في كل مرة تخضع فيها الجزاءات للمراجعة، فإنها لا تصبح أداة سياسية للضغط وتتحول إلى مبرر للإدانة لا غير.


ثالثاً: رفع العقوبات على السودان هو خطوة نحو انهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان.


حرب بالوكالة
مسؤولية الحرب الأهلية في جنوب السودان تقع في المقام الأول على عاتق النخب السياسية هناك.

"
السودان لا يمكن أن يكون شريكاً بناء في صنع السلام في جنوب السودان في حين أنه لا يزال هدفاً للعقوبات
"
ولكن لا يمكن أن يكون هناك حل للحرب إلا بعد أن تتوصل البلدان المجاورة التي لها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة في جنوب السودان إلى اتفاق، إما على استراتيجية مشتركة وإما على الأقل عدم تحويله إلى ساحة حرب بالوكالة.


 ولذلك يتعين على ثلاثة بلدان أن توافق على ذلك، وتتمثل هذه البلدان في إثيوبيا والسودان ويوغندا.


وعليه لا يمكن أن يكون السودان شريكاً بناء في صنع السلام في جنوب السودان في حين أنه لا يزال هدفاً للعقوبات.


 رابعاً: فقد السودان معظم احتياطيه النفطية ونقده الأجنبي عندما صار جنوب السودان مستقلاً.


وبموجب اتفاق الترتيبات المالية الانتقالية بين السودان وجنوب السودان، الذي تم توقيعه بعد عام من الاستقلال، تجاوزت الفجوة المالية التي استمرت ثلاثة أعوام ونصف العشرة مليارات دولار.


كان من المفترض أن تتم تغطيتها من ثلاثة مصادر تشمل المدفوعات من جنوب السودان كجزء من صفقة السماح لتدفق نفطها عبر خط الأنابيب السودانية، والمساعدات الدولية الموراد الذاتية للبلاد.


نهج انتقامي
 وقد تطلبت المساعدة الدولية نهجاً مشتركاً من حكومتي السودان وجنوب السودان نحو المانحين الدوليين.

"
السودان بما أنه لا يزال أهم مؤثر خارجي على جنوب السودان، فإن رفعه من القائمة يُمهِّد الطريق لعملية سلام بناءة في جنوب السودان
"
حتى يتم إنفاذ الاتفاق بالكامل إلى جانب إعفاء نهائي للديون على البلدين، وكان السودان يتحمل عبء الدين بأكمله.


ورفض جنوب السودان المشاركة في النهج المشترك للمانحين.


 ولم تتخذ الولايات المتحدة أي خطوات للوفاء بهذا الوعد أيضاً، وكانت النتيجة أن حاولت الخرطوم استعادة كل دولار يحصل عليه جنوب السودان من نفطة المنقول عبر أراضيه.


في وقت فقد فيه المانحون الغربيون أدوات ضغط تمكنهم من دعم موقف جنوب السودان.


ورفع العقوبات يعني أنه يمكن ولأول مرة بيع النفط من جنوب السودان للأسواق الدولية دون أن يكون قد تم ضخه عبر السودان.


كما أنه سيسمح بإعادة التفاوض بشأن شروط الاتفاق المالي بين السودان وجنوب السودان بناء على نهج أكثر شفافية ومصداقة.


 وبما أن السودان لا يزال أهم مؤثر خارجي على جنوب السودان، فإن رفع العقوبات ورفع اسمه من قائمة الإرهاب، يُمهِّد الطريق لعملية سلام بناءة في جنوب السودان.



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."