آخر تحديث للموقع :23:52


جنوب السودان لماذا فشل في التصالح مع شركائه الدوليين؟!

بقلم جوناثان فيشر*، مجلة فورن بوليسي الأميركية
ترجمة: إنصاف العوض
تغيرت العلاقة بين حكومة جنوب السودان ومجتمع المانحين، فبعد أن كان الخطاب الدولي تجاه الدولة الواقعة في شرق أفريقيا يتميز بالتعاطف والدعم صارت تسيطر عليه نغمة الغضب والاستياء والإقصاء.


وبدأ التوتر يسود العلاقة بين الطرفين في مارس عندما أعلنت جوبا عزمها على رفع رسوم التصاريح لعمال المعونة الأجنبية من 100 إلى عشرة آلاف دولار.


ونظر مجتمع المانحين إلى رفع الرسوم للعمال الأجانب على أنه يستهدف مباشرة وكالات المعونة الدولية العديدة العاملة في البلاد، إذ أن تسعة من كل عشرة عمال أجانب في جنوب السودان يمثلون هذه الوكالات.


ولعل هذا الغضب الدولي هو ما جعل حكومة جوبا تعلن تعليقها خطط رفع رسوم تصاريح العمل للأجانب بالبلاد.


وانزلق جنوب السودان الذي نال استقلاله عن السودان في العام 2011 بعد حرب أهلية طويلة إلى هوة الصراع الدموي.


وبعد عامين من الانفصال انزلقت البلاد إلى حرب أهلية عنيفة، أدت إلى ما تسميه الأمم المتحدة بـ (مجاعة من صنع الإنسان).


الأمر الذي أدى إلى أزمة لجوء حادة، وقد تم تقديم الخدمات الأساسية في جنوب السودان بشكل روتيني من قبل وكالات المعونة أو الجمعيات الخيرية على مدى عقود.


شراء الولاء
لذا، فإن تعليق رفع رسوم التصريح المقترح هو إرجاء سياسي مرحب به."
نظام الحكم في جنوب السودان يقوم  على شراء ولاء الجهات الفاعلة الساخطة أو المناهضة للدولة
"

لكنه لم يجد ارتياحاً وسط الشعب الجنوبي، وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من مليون طفل من جنوب السودان يعانون من سوء التغذية ومئات الآلاف "يواجهون الموت الوشيك".

وقالت مذكرة مارس التي أعلنت الرسوم الجديدة من خلالها إن الزيادة الكبيرة ستعزز الإيرادات الحكومية.


وقد يجادل البعض بأن هذه هو حجة معقولة لدولة فقيرة ذات بنية تحتية محدودة، وتعاني انهياراً اقتصادياً تاماً.


إلا أنه عندما تنظر إلى الطريقة التي تنفق بها حكومة الجنوب أموالها تبدأ هذه الحجة في الانهيار.


ففي عام 2016 أكدت وزارة المالية أن ما يقرب من نصف ميزانية البلاد ستنفق على الأمن العسكري والوطني. بينما يتم إنفاق 10% فقط على الصحة والتعليم والشؤون الإنسانية.


وبالرغم من أن حكومة جنوب السودان تقاتل تمرداً رئيسياً منذ ديسمبر 2013 إلا أن الأمن ليس أولوية جديدة في الميزانية بالنسبة لحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكم بالبلاد.


ويقوم نظام الحكم في جنوب السودان على شراء ولاء الجهات الفاعلة الساخطة أو المناهضة للدولة.


وقد حفز هذا النظام على العنف الممرحل العنيف القائم على "إعادة التفاوض التعاقدي من قبل النخبة الحاكمة، التي يعني إليها التمرد لفترة قصيرة جواز الحصول على قطعة كبيرة من كيكة السلطة على المدى الطويل".


وراء الأكمة
ودافعت جوبا عن رفع الرسوم بحجة أن الرسوم الحالية منخفضة للغاية مقارنة بالرسوم التي تفرضها الدول المجاورة.


وفي حين أن هناك بعض الحقيقة في ذلك، فإن رفع تكلفة التصريح من 100 دولار إلى عشرة آلأف دولار من شأنه أن يخرج جنوب السودان من السوق.


إذ لن تتمكن سوى عدد قليل جداً من الوكالات من الاحتفاظ بأكثر من حفنة من كبار الموظفين في جنوب السودان بموجب القرار المعلق حالياً.


وهناك هدفان مترابطان تسعى جوبا لإخفائهما وراء أكمتها عند اتخاذها القرار الأول، هو أن حكومة جنوب السودان تريد الحد من وصول الجهات الفاعلة الدولية إلى أجزاء البلاد الأكثر تضرراً من الصراع الدائر.


وقد شهدت الحرب انتهاكات ارتكبها كلا الجانبين، واتهمت العديد من الهيئات الدولية بما فيها منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة القوات الحكومية بارتكاب الفظائع وجرائم الحرب.


وفي رحلة قمت بها مؤخراً إلى أروا في شمال يوغندا، تحدثت مع لاجئين من جنوب السودان، فقدوا أسرهم في عمليات استهداف الحكومة للمعارضة في ياي. وكان وصفهم للصراع بأنه مروع.


ووصفت الأمم المتحدة العمليات في ياي بأنها "أعمال عنف مروعة ضد المدنيين الأبرياء والضعفاء بمن فيهم النساء والأطفال".


ضامنون دوليون
وعلى الرغم من وجود أدلة على عكس ذلك، أكد الرئيس سلفا كير في وقت سابق من هذا العام تأكيد حكومته بأن "جميع المنظمات الإنسانية والإنمائية لديها إمكانية الوصول إلى أي مكان ودون عوائق إلى السكان المحتاجين"."
حين كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان لا تزال حركة متمردة، كانت تحصل على مواردها من منظمات أجنبية غير حكومية ومنظمات خيرية
"

ويعتقد قليلون أن جوبا ترحب حقاً بوجود وكالات ومنظمات دولية، ولا يزال كثير منهم يسترعي الانتباه العالمي إلى انتهاكات الدولة والحالة المأساوية الناجمة عن الصراع.


ويتناول هذا الأمر القضية الثانية: وهي العلاقة المتوترة بين جوبا و(المجتمع الدولي)، التي تضم في جنوب السودان موظفين من الأمم المتحدة وعمال من المنظمات غير الحكومية والدبلوماسيين.


وبغية وضع هذا في السياق، فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان وجنوب السودان المستقل هما إلى حد كبير نتاج السياسة والرعاية الدولية.


فخلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي عندما كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان لا تزال حركة متمردة، كانت تحصل على مواردها من منظمات أجنبية غير حكومية ومنظمات خيرية.


كما تلقت دعماً عسكرياً ودبلوماسياً من دول إقليمية ومانحين غربيين كانوا يعارضون حكومة الخرطوم.


وكانت محادثات السلام التي أدت إلى استفتاء على الاستقلال قد أشرف عليها ودعمها (ضامنون دوليون).


وقد لعبوا فيما بعد دوراً مهماً في ضمان الاعتراف بنتائج الاستفتاء وتنفيذها.

حكومة موازية
ومنذ أن أصبحت جنوب السودان منطقة مستقلة عن السودان في عام 2005 وحصلت على استقلالها في عام 2011، اعتمدت اعتماداً كبيراً على المساعدات الإنمائية لتمويل ميزانيتها.


واستضافت بعثة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة قوامها 12 ألف جندي، إذ أنها تعد من بين العشرة الأوائل المتلقين المساعدات في العالم حالياً.


وبسبب هذه العلاقة الوثيقة والمتكافئة بين جنوب السودان والجهات الفاعلة الدولية، أصبح ممثلو الدولة خاضعين بشكل متزايد للتأثير المتصور للمانحين الغربيين.


وازداد هذا الخضوع سوءا مع تزايد الخطاب الدولي السالب حول حكومة جوبا.


بعد وقت قصير من اندلاع الصراع في عام 2013 اتهم الرئيس سلفاكير بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان بأنها "جلبت للبلاد كحكومة موازية".


وبعد بضعة أشهر، قال نائب الرئيس جيمس واني إيغا للمتظاهرين المناهضين للأمم المتحدة "إذا كانت (بعثة الأمم المتحدة) نظاماً استعمارياً، فنحن بحاجة إلى القتال.. وسأدخل إلى الأدغال للقتال".


في منتصف عام 2015 طردت الحكومة منسق الإغاثة الإنسانية للأمم المتحدة توني لانزر. وكانت هناك عدد من عمليات الطرد المماثلة في الأشهر الـ 18 الماضية.


هيمنة متصورة
وفي هذا السياق، يجب على المرء أن يفسر تصريحات مارس 2017 التي أدلى بها المتحدث باسم الحكومة أتيني ويك أتيني."
هناك استياء شديد بين القادة والأكاديميين نحو الهيمنة المتصورة للمنظمات الإنمائية والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية
"

والتي علق فيها عن زيادة الرسوم قائلاً "إذا كنت لا تستطيع دفع عشرة آلاف دولار فإنه عليَّ استئجار شخص محلي بدلاً من ذلك".


وبقدر ما تستفيد جوبا من الرعاية الدولية، لا يزال هناك استياء شديد بين القادة والأكاديميين نحو الهيمنة المتصورة للمنظمات الإنمائية والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية.


ويحرص العاملون في مجال المعونة الأجنبية على رواتبهم الضخمة التي عادة ما تكون أعلى بكثير من رواتب نظرائهم المحليين، كما يتمتعون بالمزايا والحماية التي لا تتوفر للمواطنين.


كما أنه ليس من الجيد بالنسبة للحكومة أن ينظر إليها محلياً باعتبارها تحت حماية القوى الأجنبية وسط حرب أهلية.


على هذا النحو، يمكن أن يفسر عاملو الإغاثة المحبطون الذين يسافرون في سيارات الدفع الرباعي المدرعة ويعيشون في مجمعات عسكرية - أو أفضل الفنادق في البلاد - على أنهم دعاية سالبة متحركة لحكومة لا تهتم كثيراً بالعواقب الإنسانية لتصرفاتها.


 *محاضر في التنمية الدولية - جامعة برمنغهام

 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."