آخر تحديث للموقع :23:53


الإصلاح الأكاديمي ضد التصليح السياسي

إعداد: محمد الشيخ حسين
كاتب وصحفي
القراءة عند الأستاذ محمود عباس العقاد "هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة". وارتفاع نسبة قراء الكلمة المطبوعة، حسب المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي "هو الأساس الحضاري لتصنيف البلدان في العالم إلى دول متخلفة أو نامية أو متقدمة".


لكن أهمية كتاب المدير (الأسبق) لجامعة الخرطوم أ.د. عبدالملك محمد عبدالرحمن، أستاذ الفيزياء النظرية، بعنوان (جامعة الخرطوم - الحاضر والمستقبل)، أنه يعيد للكتاب تألقه وللقارئ وجوده بعد أن أدرك قرّاء اليوم أنهم معرضون للفناء أمام الزحف التقني لأساليب الثقافة المعاصرة، وأمام ثورة المعلوماتية الحديثة.


ولن أكون مبالغاً إن قلت إن تجربة قراءة كتاب عبدالملك تشير إلى جديد واقع يتمثل في تميز الكتابة السودانية عند عبدالملك بالكشف الدقيق لحالات الإنسان، وهو يبني تصوراته وأحلامه وأوهامه.


وقد شغل هذا الواقع ذهن الأستاذ محمد أحمد محجوب، وعبر عنه بجملة مباشرة "لا تزال هذه البلاد في حاجة إلى كتاب ثائرين يجمعون بين قوة الفكرة واتساقها وجمال الأسلوب، ويخرجون من الكتب ما يحمل طابع هذه البلاد".


سمعة طيبة
على أي حال، تنتشر جامعة الخرطوم في أرض الوطن بجزئيه الشمالي الحالي والجنوبي السابق كافة."
الكتاب يحتوي  على أفكار وأحلام حملتها مجموعة مقالات نشرت في جريدة (الصحافة)، ورأى مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي نشرها في كتاب
"

وتخرَّج فيها آلاف من الطلاب في شتى المجالات والتخصصات العلمية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وسواها للدرجات الجامعية المختلفة.


وقد استطاعت هذه المؤسسة التعليمية الرائدة، بالتعاون مع المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، المساهمة في تنمية وتطوير الوعي الثقافي والحضاري لدى الطلاب الجامعيين خاصة والشعب السوداني عامة.


وعملت جامعة الخرطوم أيضاً على رفع مستواها الأكاديمي، فصارت تتمتع بسمعة طيبة بين الجامعات العربية والدولية، حيث خرَّجت عشرات الآلاف الذين التحقوا بقطاعات العمل المختلفة في السودان والوطن العربي والعالم.


ورغم الظروف غير الطبيعية التي عاشتها خلال ربع القرن الماضي، فقد واصلت جامعة  الخرطوم مسيرتها الأكاديمية متحدية الصعاب والمعوقات، فساهمت في ترسيخ الأسس الحضارية العامة في البلاد.


أفكار وأحلام
تأتي هذه التوطئة عن جامعة الخرطوم في سياق التقديم للكتاب الذي قدمه عبدالملك بهدوء شديد مصحوب بتواضع العلماء الراسخين في المعرفة.


يحتوي الكتاب على أفكار وأحلام حملتها مجموعة مقالات نشرت في جريدة (الصحافة)، ورأى مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي نشرها في كتاب، تحيةً وتقديراً للمؤلف ولدور جامعة الخرطوم.


وأظن أنه تقدير يعبر عن شعور جمهور عريض من الناس، أحب قلم عبدالملك عبدالرحمن، واحترم فكره ووثق فيه، سواء اتفق مع رأيه أو اختلف.


عارفاً في الحالتين أن عبدالملك يحمل مسؤوليته بجد، ويستشعر همومها بصدق ويؤديها باحترام لنفسه ولتلاميذه، وللكلمة وللقارئ جميعاً في نفس الوقت.


وفي أدائه لهذه المسؤولية، فإن عبدالملك يرهق نفسه بأكثر مما تستطيع طاقته، ولعل حياءه تواطأ مع تواضعه.


فقدم 143 صفحة من القطع المتوسط تكاد كل كلمة فيها تؤكد أن جامعة الخرطوم تكتسب أهمية كبرى، كونها مركز إشعاع حضارياً وسط المجتمع. فرسالتها رسالة وطنية وإنسانية وحضارية شاملة.


مزايا عديدة
يدعو الكتاب في مقالاته الثماني عشرة إلى أهمية تمتين العلاقة بين التنمية والمعرفة والتعليم النظري والتطبيق العملي لممارسة مهمة الإصلاح في المجتمع، بعيد تخريج الأفواج الجامعية المتعلمة والمدربة بشكل مناسب لنهضة وتطور الأمة.

"
الكتاب يدعو  في مقالاته الثماني عشرة إلى أهمية تمتين العلاقة بين التنمية والمعرفة والتعليم النظري والتطبيق العملي لممارسة مهمة الإصلاح في المجتمع
"

يمتلك كتاب (جامعة الخرطوم - الحاضر والمستقبل) مزايا عديدة على رأسها سهولة لغته وامتلاؤه بأفكار واقعية عن الجامعة، يمزج فيها الأستاذ الكبير عبدالملك بين الإحصاءات والتحليل العلمي والأفكار التحليلية الثاقبة والأمثلة التي تعبر عن جامعة الخرطوم قلب المجتمع السوداني ونبضاته.


وبهذا يجد القارئ نفسه وسط سيل مستمر من الأفكار والمقارنات الممتعة التي تدفعه للتفكير والتوقف بشكل متكرر، لإبداء الإعجاب بأفكار المؤلف أو التأمل فيها أو نقدها.


بمعنى آخر أن الكتاب الصغير (143 صفحة) مملوءٌ بالأفكار المثيرة للتأمل والإعجاب.


تصب جميع هذه الأفكار والأمثلة في نظرية الكتاب وأطروحته الرئيسة المتعلقة بسيطرة فكرة (تطوير التعليم العالي حتى يصل المستويات العالمية المرموقة ويواكب تطورها)، على حياة وتفكير السودانيين، حيث يدور الكتاب حولها بشكل بعيد كل البعد عن الملل.


فالمؤلف يضرب عبر صفحات الكتاب مثالاً بعد الآخر، ويأتي بدليل تلو الآخر، وبإحصائية، ثم أمثلة من تجاربه الشخصية دون أن يمل أو يعطي القارئ فرصة للشعور بالملل، وكل هذه الأفكار تصب في اتجاه أن "حل قضايا السودان عامة يحتاج الآن للعمل الجرئ والتفكير غير التقليدي".


وفي ثنايا سطوره يُشدِّد الكتاب، على أن رهان النهوض بمؤسساتنا التعليمية يتمثل في مفردة الإصلاح.


والإصلاح لا يمكن أن يتجسد في الواقع، إلا عبر تعزيز موقع المؤسسة التعليمية، وإعادة الاعتبار إليها كبؤرة أساسية وعدسة لامة، تتجمع فيها كل العمليات وفق نظرة شمولية ومندمجة ترتكز على منطق فضاءات التدخل بدءاً من الفصل الدراسي، ثم المؤسسة التعليمية ومحيط المؤسسة.


الحاجة الحيوية
يعكس الكتاب إجمالاً الحاجة الحيوية المتمثلة في حاجة البلاد والعباد المتزايدة للتنمية والتطوير الجامعي في البنية الأساسية لمؤسسات التعليم العالي.


إذ أن هناك حاجة ماسة سنوياً جراء تزايد عدد المستفيدين من خدمات الجامعة في البلاد لتحقيق الالتحام والتكامل بين أطراف العملية التعليمية العليا.


فعملية الإشباع الجامعي يتوق لها كل طالب وكل أسرة بعد ظهور نتائج الشهادة الثانوية بشكل فوري تتنامى نوعياً وكمياً، وتشمل مجالات التنمية الجامعية كافة المواضيع العلمية والأدبية بالتوسع الأفقي والعمودي.


وفي هذا السياق المجمل، لا يغفل الكتاب أهمية وجود قيادات جامعية فعالة تتألف من ذوي الخبرات والكفاءات العلمية المتقدمة والمنتجة.

ومع ترجيح أن تقوم هذه القيادات عبر مبدأ التشغيل الذاتي، إلا أن عملية التنسيق والتعاون لا بد أن تكون مغلبة عبر الإدارات الجامعية ومؤتمر عمداء الكليات والإدارات العامة واتحاد الطلاب ونقابات العاملين بالجامعة.


يمنح مؤلف الكتاب مشاركة الجماهير الجامعية مزيداً من الاهتمام، إذ أن الجماهير الجامعية، هي الفئة المستهدفة لعملية التغيير والإصلاح الأكاديمي والإداري والسياسي.


ويقصد بذلك الهيئات الأكاديمية والإدارية ونقابات العاملين واتحاد الطلاب وسائر الكتل الطلابية عبر الأطر الجامعية المختصة، لأن العمل المنظم أكثر جدوى من العمل القائم على العفوية والفردية المتقلبة.


وفي ما يتعلق بالتمويل، فإن التمويل المالي المطلوب يمكن أن يكون من القطاعين العام والخاص على السواء، إلا أن إنجاح جهود استقطاب التمويل في جامعة الخرطوم يتطلب جهداً واعياً جديداً واستثماراً مالياً مناسباً، يراعي رسالة الجامعة ودورها.


عبر صفحات الكتاب وفصوله، يعبر عبدالملك بقوة، عن اهتمامه بالأبحاث والدراسات العلمية، بعدة طرق ووسائل.


يبدأ بالتركيز على تخصيص ميزانيات سنوية ملائمة للأبحاث والدراسات العلمية بمصادر رسمية وأهلية للنهوض بأوضاع المجتمع، والانطلاق نحو العالم الرحب في المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية.


ولا ينتهي عند محطة عدم الرضا أو الاستكانة المتمثلة في استيراد قشور التكنولوجيا الغربية، ومكافحة لها يستعرض في التفاصيل التي تقودنا إلى أن نتحول إلى منتجين وليس مجرد مستهلكين.


الإصلاح الأكاديمي
استغرق عبدالملك في أكثر من نصف الكتاب في الحديث باستفاضة عن قضايا الإصلاح الأكاديمي والبحث العلمي والدراسات العليا والتدريب."
المؤلف استغرق في أكثر من نصف الكتاب في الحديث عن قضايا الإصلاح الأكاديمي والبحث العلمي والدراسات العليا والتدريب
"

ويعجبك في هذه الاستفاضة أن عبدالملك تمكن بمهارة شديدة وحرص شفاف من فرز الكيمان المتداخلة في هذه القضايا بصورة واقعية.


فتراه يقر بوضوح تراجع جامعة الخرطوم عالمياً، ثم تراه يتعاطف مع القلق المشروع لدى الكثيرين عن هذا التراجع.


لكنه سرعان ما يبث تفاؤلاً مغزاه شحذ همم منسوبي جامعة الخرطوم ومتخذي القرار خارجها على "العمل بجد من أجل أن تستعيد جامعة الخرطوم مجدها ورونقها وألقها، لأن الوقت لم يفت على تحقيق ذلك".


 عبر صفحات الكتاب وفصوله، يعبر عبدالملك، عن حرصه الشديد على تنوع فعاليات المعاهد والمراكز البحثية الموجودة في الجامعة حالياً.


ورغم أن هذه المراكز تشرف عليها إدارات علمية متخصصة، إلا أن العدد العامل في هذا المراكز ليس على المستوى المطلوب، فالعدد قليل والأبحاث المنشورة معدودة أيضاً.


 قد يتساءل المرء، لماذا؟ هل لأن الإمكانات المخصصة المرصودة سنوياً لإجراء الأبحاث العلمية أو دعمها غير كافية؟ وهذا صحيح للوهلة الأولى.


وبالمقارنة بين الميزانيات المخصصة للزيارات الداخلية والخارجية والضيافات تبدو الميزانيات المرصودة للأبحاث العلمية فقيرة.


وهنا يذكرنا عبدالملك أن التقدم العلمي والتقني بخاصة والحضاري بعامة يبدأ بالأبحاث ثم يرتقي إلى مراحل التنفيذ والتطبيق العملي.


إذا أردت العودة بالتاريخ لسنوات مضت، فستجد أن عبدالملك يؤكد أن كثيراً من إنجازات حاضر جامعة الخرطوم، هي امتداد لإنجازات في الماضي كان وراءها كثيرون.


لكنه بتواضع الراسخين في العلم يعترف بأنه "لا يريد أن يشغل القارئ بسرد طويل لماض لم أكن حاضراً فيه، ومن ثم لست مؤهلاً للحديث عنه".


ورغم أن تواضع عبدالملك يختلط هنا بحسمه، إلا أنه سرعان ما يستدرك "ويبقى مهما أن يقوم بهذا العمل التوثيقي المكمل آخرون عاصروا ماضي الجامعة وملمون بتفاصيله أفضل مني أو هم مؤرخون قادرون على استجلائه". 


دليل الإيجاب
غير أن كل ما قدمه عبدالملك هو دليل بالإيجاب وليس دليلاً بالنفي.


هو دليل يدفعنا إلى تحريض عبدالملك وحثه إلى خوض تجربة الكتاب عن تجارب جامعة الخرطوم.


ذلك أن الاهتمام بالوثائق وقـراءتـها بـأمانة ودقة، مثلما فعل عبدالملك في هذا الكتاب، ينم عن التجرد  في مراجعة الماضي، وتجديد التراث والاعتدال، ويساهم في تأمل المستقبل والتعامل معه بشجاعة وحكمة.


ولسنا في مقام التنبيه إلى أن الجامعات العريقة والدول التي تمتلك أرشيفاً تسعى جاهدة إلى اقتناء الوثائق، ولو بمبالغ باهظة لوضعها تحت تصرف الباحثين لاستنتاج دروس وعبر، تساهم في فك لغز الحياة.


لكل هذا تشعر وأنت تقرأ كتاب جامعة الخرطوم الحاضر والمستقبل لمؤلفه عبدالملك محمد عبدالرحمن، بأنك أمام مؤلف كبير متمكن من مادته يعرضها بأقل مجهود بشكل يقصد به إمتاع القارئ وجذب انتباهه، حتى آخر سطر من سطور الكلمات، دون عناء أو مجهود من قبل المؤلف.


فالكتاب وأسلوبه ينتميان لتلك الفئة من الكتابة التي يطلق عليها أحياناً مسمى (السهل الممتنع)، فهي في غاية السهولة والعمق في آن واحد.


أقول قولي هذا وقد أجمع الناس على المكانة الطيبة التي تحظى بها جامعة الخرطوم في نواحي حياتنا كافة، حتى هوجة الغناء المعاصر تؤكد هذه المكانة حسب الشاعر الذي عبر عن صدمته، قائلاً:


قلبي اتخطف مني ولي هسع أنا مصدوم


جيبوهو لي يا ناس من جامعة الخرطوم

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

 


 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."