آخر تحديث للموقع :18:45


الشكابة 1899

بقلم: صلاح عبدالله عبدالمحمود
كاتب وقاص
تنشر (الشروق نت) مقالة إبداعية يستدعي فيها الكاتب التاريخ بأحداثه ووقائعه وشهوده بلغة روائية الساحرة، حيث يجول بنا الكاتب حول حدث يعرفه الناس، لكنه في شكل مسرح إبداعي تتقافز فيه الحقائق من بين اللغة الإبداعية.


الرواية الأولى
المكان: أمدرمان


الزمان: سبتمبر 1898


الشهود: أحدهم كان النيل الكبير وقبةُ قصفها مدفع الهاوترز بـ 11 قذيفة زنة 50 رطلاً.


المتهم: السيد محمد أحمد المهدي.


القاضي: كتشنر ضابط جيش جلالة الملكة.


التهمة: قطع رأس الجنرال غردون.


منطوق الحكم: بما أن القاضي لم يجد المتهم حياً فقد أوصى بفصل الرأس عن الجسد.


أما الرأس فيشحن إلى جلالة الملكة، حيث هي (مكوعة)، وأما الجسد فيُلقى في النيل الكبير.


صار النيل قبراً وشاهداً، ثم ما لبث الرأس أن لحق بالجسد في النيل، ليس في أمدرمان وإنما في مدينة حلفا.


إذ أن جلالة الملكة وبخت ضابطها الدموي على فعلته الوحشية مرتين: قطعه لرأس ميت ثم بعثه الرأس إليها.


تدابير ما ورائية أرادت لذلك الجسد أن (ينجمع) مع بعضه، وكان ماعون ذاك الجمع مياهنا السمراء.


كان الغار (التحتاني) في الجزيرة (أبا) مجاوراً للنيل الأبيض، اختار له الأمام المهدي أن يكون مجاوراً لسريان الماء.


تسرق وشوشات الماء ترانيم العابد الزاهد، وتبصر على حين سرقةٍ خطوات السالك في المسالك إلى حيث البهاء المقيم والفتح العظيم.


ما كان لعابد طرق المدارج في صحبة النيل مذ كان يافعاً في لبب وبربر إلا أن يكون النيل مقره ومستقره، يدعو السالكين ويرشد التائهين.


الرواية الثانية
المكان: الشكابة.


الزمان: 1899.


الشهود: كان النيل الأزرق أحدهم.


المتهمون: الخليفة محمد شريف حامد، السيد الفاضل المهدي، السيد البشري المهدي وآخرون بهتت أسماؤهم لسبب ما.


القاضي: الكولونيل الإنجليزي هنتر.


التهمة: حرب جلالة الملكة (الكم كدا ما بعرف).


منطوق الحكم: الإعدام بالرصاص الحي.


مكان الدفن: النيل الأزرق.


هكذا بدفقة رصاص حي وللمرة الثانية يصير الفرع الأزرق شاهداً وقبراً، ألهذا اقترنت الكلمتان - شاهدُ وقبر - معاً كجناحي طائر؟


الرواية الثالثة قالت
إذن الحاكم العام الإنجليزي بعد (كم خريف كدا) من (الكسرة) للسيد عبدالرحمن المهدي بتجديد بناء قبة أبيه.


اتكأ السيد عبدالرحمن على ركبته اليمنى وأنصاره ينبشون مكان القبة التي سويت بالأرض.


حتى إذا وصلوا إلى خرزات الذهب الذي كان يزين نواحي القبر الشريف كبَّر وكبَّر من كان معه.


وقال لهم بصوت بين النبرات "لو كان كتشنر نبش القبر كما يقولون لما وجدنا خرزات الذهب هذه".


الرواية الرابعة قالت
رفعت بت حاج العاقب يمناها محييةً، حين كحل مرأى عينيها منحنى النيل الكبير، وقالت وكأنها تُحيّي رفيقاً قديماً "سلام عليك لا قادنك سواري ولا حفرنك طواري".


تزاحمت صور تلك المواكب التي كانت تحج إلى شواطئ النيل في كل طقس حياتي بهيج.. حين تنعقد الأعراس.. حين تقوم النفساء من ولادتها.. حين يختن الصغار.. حين يؤوب الغائبون.


(عريسنا ورد البحر يا عديلة وقطع جرايد النخل يا عديلة).


والرواية الخامسة قالت
لم يكن شعب أمدرمان يعرف للنيل معنىً حتى ظهر فيهم من قال: (يا بت يا نيل).


متى يصير أوان شهادتك أيها الصامت القديم؟


متى يحين أوان هبتك أيها الراقد المهاب؟


متى ينادي بنشر كتابك أيها الشاهد الثمين؟


متى ستستيقظ حورياتك النائمات، ومن أي شطٍ سيخرجن، وبأي اللحون سيعزفن على التلال والسجوف والظلال.

 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."