آخر تحديث للموقع :00:30


النقد في الصحافة السودانية، قهر " الميديا" وشروط الكتابة

د. اليسع حسن أحمد
أستاذ مشارك جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا
مما لا شك فيه أن الدراما بملامحها الأرسطية المتعارف عليها حالياً وفدت للسودان عن طريق الجارة الأقرب جغرافياً وثقافياً – مصر-وذلك من  حيث اللغة والمعتقد وغير ذلك من الروابط.


وعند ذكر كلمة دراما لابد أن يسبق ذلك الحديث عن المسرح بحسبانه سبق بقية أنماط الدراما الأخرى.


والتي بالطبع لم تكتمل صورتها إلا في الربع الثاني من القرن العشرين ونعني بها السينما والراديو ثم التلفزيون.


لدرجة اقتران مصطلح دراما في أذهان العامة بمعنى المسرح ( هذا بالطبع قبل الجدل الكثيف حول مصطلحي الدراما والمسرح مؤخراً).


والمسرح هو من الفنون الوافدة حديثاً ليس على السودان فحسب بل على مجمل دول الإقليم.


ففي السودان وثق لأول ممارسة – عرض - مسرحية مكتملة بمنطقة القطينة جنوبي الخرطوم وعلى يد مأمورها المصري حينها محمد عبد القادر وعرفت في التاريخ المسرحي السوداني بمسرحية نكتوت في العام 1909م ونكتوت تعني في العامية السودانية المال.


ويذكر الدكتور خالد المبارك في كتابه المرجعي المهم حرف ونقطة "المسرحية حضرها جمع من أفاضل أعضاء الجمعية العلمية الدينية، وقام فيها بالتمثيل المربي الشيخ عبد الله بشير سنادة، على أن يذهب ريعها لجامع القطينة".      

                              
والإشارة المهمة هنا أن علماء الدين حضروا المسرحية وأسهموا بالتمثيل والتنفيذ في عرضها وأن عائدها يعود للمسجد.


وأن فكرتها كانت تقوم على التبشير بفضائل التعليم ومحاربة عادة شرب المريسة المتفشية آنئذٍ (والمريسة مشروب سوداني يصنع من الذرة غالباً وهي من أنواع الخمور البلدية).


إذاً الدافع أخلاقي وهذه البداية يكاد ينفرد بها المسرح السوداني، والإشارة ملزمة هنا بحسبانها أثرت كثيراً في مسيرة المسرح ثم الدراما عموماً، سلباً وإيجاباً.


ومن أكبر المكاسب في هذه البداية أن المسرح بُني على أرضية صلبة من الجدية والصرامة وأنه تحاشى الصدام مع المؤسسة الدينية مما سمح له بالانطلاق مبشراً وداعماً لقضايا التعليم والتحرر الوطني.


وأكبر السلبيات أن المسرح لم يكن دعمه من قبل هذه الجهات من أجل أهميته كمسرح بل من أجل القضايا التي حُمِّلت به وعند تحققها انصرف عنه داعموه الأوائل وترك يتيماً لأهله.


فعانى الفقر وانعدام الوجهة والهدف وتُرك للمجهودات الفردية في أغلب الفترات، وهذا الذي ذكرنا يُعتبر من أكبر المؤثرات في مسيرة الكتابة النقدية في الصحافة السيارة في السودان.   

                              
الصحافة في السودان                                
والصحافة بدورها عَرفها السودان مع نهايات القرن التاسع عشر وهذا التاريخ يتفوق به السودان على معظم دول القارة."
العام 1913م يمثل تاريخاً مهماً في مسيرة الصحافة والنقد في السودان وهو عام صدور صحيفة رائد السودان وما يميزها هو شخصية رئيس تحريرها الشاعر الأديب السوري مصطفى قليلاتي
"

والصحافة في البدء كان على رأس إدارتها وملكيتها وحتى تحريرها ولحد ما قراءها أيضاً غير سودانيين ومنذ العام 1898م وحتى صدور أول قانون لتنظيم مهنة الصحافة في العام 1932م كان هناك ثلاث عشرة صحيفة فقط،وقد كان أثرها ضعيفاً جداً وخافتاً.


وهذا يعود لقلة المتعلمين من أبناء السودان من جهة، ومن جهة أخرى الحاجز النفسي بين المواطن السوداني والمستعمر الدخيل وهزيمته للدولة الوطنية ممثلة في المهدية، وقمعه لحركات التحرر الوطني.


وأشهرها ماعُرف في التاريخ السياسي السوداني بثورة 1924م والتي قادتها الطبقة المتعلمة.


إذ أعقبتها قيود صارمة قلت على إثرها الصحف وساعد على ذلك الجو القاتم والمحبط والأزمة الاقتصادية العالمية والتي عانى الناس آثارها عقب الحرب العالمية الأولى.


يمثل العام 1913م تاريخاً مهماً في مسيرة الصحافة والنقد في السودان وهو عام صدور صحيفة رائد السودان وما يميزها هو شخصية رئيس تحريرها الشاعر الأديب السوري مصطفى قليلاتي.


الذي يذكر حليم اليازجي في كتابه السودان والحركة الأدبية أنه "استكتب الأدباء من الداخل والخارج شعراً ونثراً وعرّف قراء صحيفته بأصول النقد الحديث الذي كان يمارسه أصحاب الديوان في مصر".


لكن للأسف لم يستطع قليلاتي الاستمرار طويلاً فبعد أربع سنوات فقط أعاده الإنجليز مخفوراً إذ لم يكونوا راضين عنه ولا عن الندوات الثقافية والحوارات الفكرية التي كان يقيمها بمكاتب الرائد .   

                                                                                  
محطات في مسيرة النقد
إن حضارة السودان كانت تمثل تاريخاً فارقاً في مسيرة النقد والصحافة في السودان إذ أنها كسرت حاجزاً نفسياً كان يحول بين القارئ والمتعلم السوداني وبين صحافة لا يملكها لأسباب سبق ذكر بعضها."
حضارة السودان مثلت تاريخاً فارقاً في مسيرة النقد والصحافة في السودان إذ أنها كسرت حاجزاً نفسياً كان يحول بين القارئ والمتعلم السوداني وبين صحافة لا يملكها
"

وأبلغ دليل على ما ذهبنا إليه هو أيلولة رئاسة تحريرها لأول صحفي سوداني (داخل السودان على الأقل) وهو المرحوم حسن شريف الذي بدوره واصل دعوته الجهورة لإصدار صحيفة سودانية السداة واللحمة، وتوج مجهوده مع آخرين بإصدار حضارة السودان في 25-2-1919                                                                                          
المحطة المهمة الأخرى تأتي في الثلاثينيات من القرن العشرين والتي شهدت مجلتي الفجر والنهضة، فبرزت أسماء لامعة في مسيرة الكتابة الصحفية في السودان عرفات محمد عبد الله ومحمد أحمد المحجوب والهادي العمرابي ومحمد عشري الصديق وعبد الله حامد البدوي وعبد الله عشري وآخرون.


ويرى الدكتور عز الدين هلالي أن الفجر تمثل فتحاً جديداً في مسيرة النقد في السودان إذ "كان محرروها من الشبان الثائرين على التفكير التقليدي المتأثرين بالثقافة الغربية، المطلعين على آدابها اطلاعاً حسناً، والمتتبعين عن كثب لكل ما كانت تخرجه المطابع في العالمين العربي والغربي.


ولأن دورهم حسب اعتقادهم خلق تمازج بين الثقافة العربية والأوروبية يكون نتاجها ثقافة سودانية ترث أفضل المزايا للثقافتين ، ففي الأدب عزفوا عن الأسلوب التقليدي وفي التعبير طبقوا النظريات الحديثة في النقد".         

                                                      
وما زالت تمثل مجلتا الفجر والنهضة مرجعاً مهماً لتاريخ الكتابة الصحفية في السودان.


وبعد النشاط المكثف لنادي الخريجين واتساع رقعة التعليم وبالتالي المتعلمين وأيضاً للانفراح النسبي في الحريات من قبل السلطات الإنجليزية تجاه المثقفين ازداد عدد الصحف وظهرت الصحف الحزبية والمتخصصة والإقليمية.


وكانت فترة الخمسينيات تمثل قفزة كبرى في صدور الصحافة إذ صدرت سبعة وسبعون صحيفة وهي الفترة التي تمثل آخر العهد الاستعماري وعهد مابعد الاستقلال حتى انقلاب 17 نوفمبر وبداية عهد الفريق إبراهيم عبود.


وهذه الفترة رغم الحماس والنشاط اللافت للكتابة والحوارات المتعمقة في مجمل الشأن السوداني، إلا أن دوامة التحولات السياسية العنيفة والدائرة المعقّدة من تبادل الأدوار الحزبية والعسكرية على كرسي الحكم جعل استمرار الصحف في كف عفريت.


إذ يتم إيقاف الصحف بمجرد (دق المارشات) العسكرية إيذاناً باستلام العسكر للسلطة.


ويعتبر تاريخ 18/8/1970م يوماً عصياً في تاريخ الصحافة ومن ثم الكتابة في السودان إذ تم تأميم الصحف لأول مرة بقرار من حكومة نميري وداعميها وتم دمج الصحف في دارين فقط هما الأيام والصحافة.


واللتين سبق وأن صدرا مطلع الخمسينيات والستينيات وتراكم للقائمين على أمرهما خبرات طويلة واستمرتا حتى مجيء الحكومة الحالية أواخر الثمانينيات.


وكان يمكن أن تؤسسا ممارسة صحفية راسخة لولا فترات التوقف القهري، لاسيما وأن صفحاتهما شهدتا جدلاً وحواراً فكرياً رصيناً.


وبرزت أسئلة الهوية الثقافية خاصة بين تيار اليسار العريض الذي كفر بالانقلابات على حد قول محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي الأسبق (عليه رحمة الله) وذلك بعد الأحداث الدامية عقب انقلاب هاشم العطا أو ما عُرف بثورة 1971 الذي فقد فيه الحزب أبرز قادته إعداماً.


وعقب المصالحة 1976 ودخول الإسلاميين الساحة الصحفية، بدأ يتأسس فن حوار وجدل كان يمكن أن يمثل نموذجاً تستفيد منه حركة النقد والكتابة.         

         
تجارب في النقد والكتابة
في الستينيات تبقى تجربة بخت الرضا فترة مهمة و يمثلها د.أحمد الطيب أحمد وجيله من الأساتذة، الذي يربط النقد بالجمال (أو البحث عنه أو التوجه إليه، فهو سر فوق الأسلوب الكتابي)."
الستينيات تبقى تجربة بخت الرضا فترة مهمة و يمثلها د.أحمد الطيب أحمد وجيله من الأساتذة، الذي يربط النقد بالجمال (أو البحث عنه أو التوجه إليه، فهو سر فوق الأسلوب الكتابي)
"

وأحمد المولود بمنطقة الغبش غربي بربر عام 1918م وتوفي عام 1962م له دراسات وصولات في مجال المسرح و يعتبر أحد أشهر الذين ترجموا الروايات المسرحية العالمية و سودنتها خاصة مسرحيات شكسبير.


ومع ذلك يجد أن المسرح هجره أهله، و بلهجة حادة مليئة بالسخرية ينعي المسرح في ذاك الوقت الباكر "الفنانون الخلاقون يهجرون المسرح، فيمتلئ المسرح بالمغنين الحائرين و الخائبين، شعث الرؤوس، شعث الأفكار، وبالمجلات والصحف التي تنشر الأذى، وبالقصص المسلية وكتابها المؤلمين فهم أصحاب عنّة عقلية، فهم لا يفيقون إلا بإبطاء، هؤلاء يسيطرون على الميدان، فلماذا إذن يكتب الناس وكيف يصنعون فناً راقياً و لماذا؟". 


وبعد هذا العنف النقدي من د.أحمد جاءت فترة انتكاسة نقدية، ويبدو أن الذين قالوا بالانتكاسة قارنوا النقد في السودان بالنقد في مصر وهذه الفترة شهدت تدفق المطبوعات المصرية، لم يقارنوه بتطوره التلقائي وانتخابه المباشر.


ويبدو أن بعد الفجر والنهضة (كمدرسة) لم يأت من يملأ الفراغ فشعر المبدعون بالردة النقدية، مع وجود كتاب كبار في مجال المسرح (ومن الفنون التي وقفت عن التطور فيما أظن فن النقد الأدبي).  

علماً بأن العقدين السادس والسابع من القرن الماضي شهدا أنجح مواسم المسرح القومي ونشطت حركة التأليف والنشر وظهور الكتّاب المتخصصين.


وبدأ خريجو معهد الموسيقى و المسرح و عروض مشاريع التخرج لقسم المسرح وكتاباتهم المتخصصة في النصف الثاني من العقد السابع في الظهور و التأثير.


ولكن يبدو أن العهد هو عهد تفجير الأسئلة خاصة أسئلة الهوية (الغابة والصحراء على سبيل المثال) و بالتالي الإحساس بعدم التطور والمواكبة (مستوى النقد مخجل) والمؤلم أنه ينطلق في أحيان كثيرة من مواقع ذاتية محضة و ضحلة)؟


وهذا ما جعل ناقداً و باحثاً مثل علي المك يطرح الأسئلة الجوهرية "وأين هم المثقفون؟ أين هي الصحف؟ سوء معاملة الصحف إذ تفضل المادة السياسية والتهريج الأجوف على الكلام في النقد والأدب".


 ويرى الكاتب أن غياب النقد أمر طبيعي طالما غابت الصحافة الأدبية نفسها,


وظاهرة غياب النقد أصبحت في الواقع ظاهرة أكثر من أن تكون سودانية فقد تعقدت منابع التأثير الأدبي، و تنوع الأمر الذي يقتضي وجود نقاد يتتبعون الظواهر الأدبية الجديدة، و يحللون أسباب وجودها و أسرارها.


"ومع ذلك فإن ظاهرة الأعمال النقدية تعاني من نفس أزمة الإمكانيات والحاجة إلى نشر بالإضافة إلى قضايا الحرية التي يواجهها الأديب و الناقد معاً.


الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن الأدب والنقد لن يزدهرا إلا في ظل توفر إمكانيات بعينها، مادية كتوفير النشر، ومعنوية كتوفير الحريات، ليسمح للاتجاهات النقدية المختلفة في إبداء وجهة نظرها وطرح مجمل مفاهيمها إذا توفرت تلك الشروط فإن حركة نقدية جادة ستظهر من خلال هذا الصمت الطويل".   

والإحباط يلازم الكتاب والتباكي على الماضي ولا سيما أن حركة المسرح والنقد المسرحي شهدت فترة ازدهار (بدأت في عام 1967 و انتهت عام 1975.


وبدأ العد التنازلي للمسرح الرسمي والعد التصاعدي للمسرح التجاري ومسرح القطاع الخاص.


واستمر غياب النقد المسرحي في تواصل "ولأنه ركن مهم من أركان إنعاش الحركة المسرحية، ولغيابه تغيب الرؤية الصحيحة، ففي السودان يشكل النقد غياباً تاماً".


"فنجد في بعض الصحف و المجلات نقاداً يمارسون شيئاً لا يمكن أن نسميه نقداً".    

وملاحظ أن القائلين بتدهور مستوى الكتابة هم من الممارسين للفنون بمختلف مسمياتها.


ويرى مبارك المغربي "النقد عندنا يشوبه ضعف بيّن في التناول المنهجي، وذلك لغياب النقاد المقتدرين عن الساحة، وترك الحبل على الغارب لكل من أمسك قلماً ليهدم دون وعي وإدراك.


ولكيما يرتفع مستوى النقد عندنا وجب أن ينزل إلى الساحة المثقف القادر، ولدينا من مثقفينا الكبار ممن نعتز بهم والواجب أن تفسح صحفنا المجال حتى نطمئن على نهضتنا الفكرية، ونعمل على تطويرها ، والوقوف بها جنباً إلى جنب مع الثقافة العالمية"


ورأي المغربي تشوبه العاطفة والأماني دون تحديد حلول مباشرة.


وبالرغم من وجود كتابات في هذه الفترة إلا أن كثيراً من المختصين يرونها بعيدة عن النقد بمفاهيمه العلمية والأكاديمية، فهذه واحدة من المشاكل التي لازمت ولا تزال الحركة المسرحية والثقافية عموماً.


"لا وجود للحركة النقدية وسط حياتنا، فالمسرح عالم زاخر و"حياة عامرة" لا يكفي أن يخرج المرء منها مجرد انطباع وللأسف الشديد أن كل ما يكتب اليوم مجرد انطباعات، من يريد أن يكتب عن المسرح يجب أن يبحث فيه وينقب، يسبر غوره، هذا الشخص يجب أن يكون متخصصاً في المقام الأول، ثم راسخاً وأميناً". 

                                         
ويتفق معه في ذات المجلة المسرحي المعروف أبو العباس محمد طاهر "نعم عندنا نقاد مسرح ولكن تنقصهم الخبرة".  

ويبدو أن القادرين على الكتابة غير متخصصين، والمتخصصون غير قادرين على الاستمرار في الكتابة، وهذا مشكل منهجي فالكتابة السائدة في الصحف والدوريات إما انطباعية تقترب من السذاجة، أو متخصص يتعالى على القارئ.   

ورغم ذلك ظهر جيل تأسس عليه منهج الكتابة لاحقاً وفتح الطريق أمام لاحقين على سبيل المثال، هاشم صديق، طلحة الشفيع، بدر الدين حسن، خالد المبارك، سامي سالم.


وخريجو المعهد الذين ظهرت أسماءهم في منتصف الثمانينيات منهم أبو القاسم قور، البشير سهل، عمفريب، شمس الدين يونس، السر السيد والفاتح مبارك.


وتشكيليون أيضاً بوب وغيرهم، وأسماء ظهرت في تتبع التوثيق كعبد الرحمن بلاص في كتابه "حواراتي معهم" (جل الكتابة بين قوسين اقتبسها الكاتب من بلاص في حواراته مع مثقفين وفنانين).


كما أسهمت مهرجانات التخرج لطلاب الدراما بمعهد الموسيقى والمسرح وطلاب وكتاب الدراسات الإضافية في جامعة الخرطوم.


وكذلك المجهودات التي لم تنقطع من المشتغلين بالشأن الثقافي عموماً، والدرامي والمسرحي على وجه الخصوص مثل: سعد يوسف وعثمان جمال الدين وفتح الرحمن عبد العزيز وعادل حربي وعز الدين هلالي، والسني دفع الله والطيب المهدي والشفيع إبراهيم الضو، صلاح الدين الفاضل.


وغيرهم من الذين أسهموا في إثراء الحركة النقدية إنتاجاً إبداعياً وتأليفاً وحوارات في الصحف والمجلات والندوات.     

                                                                                 
الكتابة في الصحف
في إطار الحديث عن التوثيق يتحتم التطرق من وجهة نظرنا للصحف ونسبة لغياب وندرة الكتاب والمجلات المتخصصة وتباعد صدورها كانت الصحف الماعون الأساسي الذي حوى الكتابة الراتبة والحوارات وتتبع أخبار المسرح."
والكتابة عن المسرح والثقافة غير ذات جدوى بحكم مردوده الاقتصادي، وهي مهنة طاردة ولا توفر معاشاً مريحاً والكاتب الثقافي كاتب من الدرجة الثانية لاهتمام الصحف بالشأن السياسي والمصالح الاقتصادية
"

فأي رصد للملاحق الثقافية يمكن قراءة واقع الكتابة ومساراتها، ولها تأثيرها على الكتابة نفسها، فكل الصحف بلا استثناء أفردت ملاحق ثقافية أسبوعية بين صفحة إلى أربع صفحات.


ولكن للأسف لم تستقر الملاحق وهي أول ما يهدده زحف الإعلان، وإذا استقر لا يستقر به المشرف عليه وبالتالي لم تستقر للملاحق أعراف وتقاليد، لضعف استمراريته ولخضوعه لميول واهتمامات المشرف عليه.


مع أن الملحق حظي باهتمام القراء وبأعلى توزيع (نال ملحق الثلاثاء – صحيفة السودان الحديث- أعلى نسبة توزيع حسب إفادة مجلس الصحافة والمطبوعات للكاتب)، وكان به كتابة راتبة لأحمد عبد العال – يحيى فضل الله – عمر الدوش).


وبالتالي لم نجد مشرفاً استقر لأزمان متطاولة غير أسماء عيسى الحلو ونبيل غالي ومجذوب عيدروس وصلاح التوم من الله.    

                                                         
ورصد الكاتب في عشر سنوات (1985م-1995م) " 126" كاتباً في خمس صحف نجد، "25" فقط منهم تخصصوا في النقد الدرامي أو الأدبي.


والكتابة عن المسرح وعن الثقافة عموماً غير ذات جدوى بحكم مردوده الاقتصادي (وهي مهنة طاردة ولا توفر معاشاً مريحاً وأن الكاتب المهتم بالشأن الثقافي قد يكون كاتباً من الدرجة الثانية لاهتمام الصحف بالشأن السياسي والمصالح الاقتصادية.


أما الكتابة الثقافية فهي"مرض" يصيب المهتمين به فقط، وبجانب ما ذكره الأستاذ الحلو نجد أسباباً تتعلق بالكاتب نفسه بعدم استقراره وقلقه كما أن نزيف الهجرة الذي بدأ مطلع التسعينيات أفقد الكتابة والبلاد عشرات الأقلام التي غابت عن المشهد.   

                                        
 والملاحظة الأخرى أن الكتابة المسرحية تأثرت بالحقل المسرحي وخلافاته وتعقيداته والإحساس الدائم باليتم والإهمال والتباكي على الحال والمآل.


فمن النادر أن نجد كتابة تهتم بقضية المسرح نفسه أو نقداً تطبيقياً على عروضه، ولكن نجد مثلاً حبراً كثيفاً يسال على عرض تم منعه من السفر أو نتائج لجنة نصوص أو اختيار عرض ليشارك أو ردود على حوار.


وغالباً ما يكون من مخرج العرض المسرحي، وبالرغم من تعثر العروض وقلة المشاركات الخارجية لكنها وإن وجدت لاتجد الكتابة والتحليل والمتابعة.


ويذكر بروفسير سعد يوسف المشارك في مهرجان بالعراق آنئذٍ: "وبالرغم من أهمية المهرجان بالنسبة للمسرح العربي عامة والمسرح عامة والمسرح في السودان بوجه خاص لم نقرأ عنه شيئاً في صحفنا السودانية أو نسمع أو نرى شيئاً من مناشطه في أجهزة الإعلام بالرغم من أن هذا الوفد الكبير  - ما يقرب من الخمسين فرداً - يضم بعض نقاد المسرح ومدعي النقد".   

وصراع العلمية والتخصص من جانب، وغير المتخصصين من جانب آخر يبدو أنه صراع أزلي، وشائك وبه كثير من التعقيدات، فالكاتب يدعي العلمية ويعتذر منها في ذات الوقت.


فمثلاً في صحيفة السياسة "فترة الديمقراطية الثالثة" شهدت أعلى معدل للكتابة المسرحية ورد مقال لعلي صالح أحمد، عن مسرحية بيت بت المني بت مساعد أن صراع المفاهيم بين الموروث والواقع شيء لابد منه.


"المسرحية متميزة في صياغتها وإخراجها ولعل ما يميزها أكثر جمال الأغاني المصاحبة للعرض التي أداها الفنان النور الجيلاني أداءً جيداً، كذلك الإضاءة الممتازة والديكور البسيط المعبر.


وما يؤخذ على المخرج فقط هو عدم مراعاته لاتساع وحدتي الزمان والمكان حيث جعل المسرحية تقف عند دورة شمسية واحدة وجعل أحداثها تدور في مكان محدود".


وهذه الكتابة تبدو مضحكة إذا حاكمناها بنظرية أرسطو مثلاً وهذا نموذج من عدة أمثلة .


ومع ذلك تظل الصحافة واحدة من أسس الكتابة عن المسرح في السودان، رغم تعقيدات الكتابة نفسها.


وهناك ملاحظة هامة وهي أن الصحف الصادرة منذ مجلتي الفجر والنهضة لم توجد صحيفة تهتم بالشأن الثقافي الخالص، وإن وجدت لم يتسن لها الصدور إلا أعواماً قليلة (تجربة سنابل مثلاً).


وظل التناول للخبر السياسي هو سيد الموقف تليه الرياضة ومن ثم الإثارة الاجتماعية.


ولعل هذا يتعلق ببنية المجتمعات النامية والمتخلفة وترتيب الأولويات عندها وغياب الأفق الاستراتيجي وغلبة الهموم الأمنية وتثبيت السلطات والاستغراق في اليومي المباشر.


وهذا ما يذهب إليه الناقد والروائي عيسى الحلو "الأمر يرجع لتكوين المجتمع السوداني إذ أنه مجتمع لا زال ينحو نحو المدنية ويغلب عليه الطابع العشائري والطائفي ثم الأيدولوجي في مثقفيه ولم يكوِّن بعد مرجعيته الجمالية في الأدب والنقد إذ أن استهلاكه للكتابة يغلب عليه الآني واليومي المباشر".


والنقد على قلته تراوح بين ادعاء التعالي الأكاديمي واللعب على المفردات والمصطلحات المنحوتة وبين الكتابة الساذجة التي لا ترقى لمستوى النقد.


ولم تتوفر مشاريع إلا قليلاً تستجيب لشروط الكتابة الصحفية وترتقي بالذائقة النقدية والجمالية للقارئ العادي وإن توفر لا يستمر كشأن الكتابة نفسها.


وقد يعود ذلك أيضاً لضعف المنتج الدرامي المستفز الأول للكتابة فمسرح الدولة الوحيد – المسرح القومي – ضعف النشاط فيه وقلت وانعدمت العروض الراتبة والتلفزيون اعتمد على الدراما الوافدة ودراما الراديو لا يلتفت إليها أحد رغم استمراريتها.


وقد يعود ذلك لخلل منهجي في بنية الثقافة والصحافة ومركزيتها القابضة كشأن التنمية المادية والإنسانية وكما هو معروف أن حقول سماع دراما الراديو هو الأقاليم القصية والتي لا يلتفت إليها أحد.


ونخلص أن النقد تأثر لحد بعيد بشروط الصحافة ومآلاتها ونقاط ضعفها واستجاب مقهوراً لتلك التقلبات رغم وجود نقّاد تملكوا ناصية العلم والإبداع ترفد بهم المؤسسات الأكاديمية الساحة تباعاً ولكن!.


استفادت المقالة من المراجع التالية:
1/ أحمد الطيب أحمد: أصوات وحناجر، وزارة التربية والتعليم الخرطوم، 1975م.
2/ اليسع حسن أحمد: النقد الدرامي في الصحافة السودانية، الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، 2005م.
3/ عبد الله إبراهيم الطاهر، ببلوغرافيا الصحافة السودانية، المجلس القومي للصحافة الخرطوم.
4/ حليم اليازجي: السودان والحركة الأدبية، الجامعة اللبنانية بيروت، ج2، 1985م.
5/ خالد المبارك: حرف ونقطة، منشورات معهد الموسيقى والمسرح، 1980م.
6/ مجلتا الفجر والنهضة والصحف الواردة: دار الوثائق المركزية الخرطوم.
7/ عيسى الحلو حوار مكتوب أجراه معه الكاتب.
7/ عبد الرحمن بلاص، حواراتي معهم.



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."