آخر تحديث للموقع :00:30


"رماد الماء".. الجنوب قتلته الفئة "المستنيرة"!!

إعداد: نجاة إدريس إسماعيل
صحفية وكاتبة وقاصَّة
رواية (رماد الماء) من أجمل الروايات التي كتبها الروائي عبدالعزيز بركة ساكن – في رأيي- فمنذ عتبة النص الأولى عنوان الرواية (رماد الماء) يرمز إلى الحرب حيث يتدفق الرماد - على الماء الجاري سواء أكان الماء على الأنهار أو البرك – والذي تخلف من احتراق الأشياء بفعل الحرب.


العنوان موفق يوحي إلى ما بالداخل.. الرواية دائرية بحيث تبدأ وتنتهي بذات مشهد الحرب الذي يبدأ به روايته، إذ يقول:


"لا شيء.. لا شيء
لا شيء غير هياكل الأشجار المحترقة، أشجار الحبحب، المهوقني، المانجو والتك العملاقة"


بهذا المدخل المأساوي عبر الروائي عبدالعزيز بركة ساكن عن مشاهد الحرب عندما تحرق الأخضر واليابس، فتجعل كل شيء رماداً.


بشاعة الحربق
من المشاهد البائسة أيضاً، التي تظهر بشاعة الحرب سرده لقائمة الأشياء الموجودة بأرض الحرب:"
 الصورة الأكثر بشاعة للحرب على إطلاقها تأتي في شكل: "جسد مشنوق على شجرة مانجو وهي على شيء من الخضرة مشوهة وبليدة تنمو على أشكال مرعبة"
"

وهي: هياكل عظمية، هياكل مشوية، قردة مشوية، صقور مشوية، أرانب مشوية، أسد، كلب، قط، ولد، نساء مشويات، أشجار مقلوبة.


أحذية عليها بقايا أرجل بترتها الألغام، أحذية تدوس على أزرار دبابات هالكة، أحذية عسكرية با حبيبتي، عسكر أموات، مقابر جماعية، هاونات معطوبة، جندي محترق نصفه الأعلى.


وأي صورة أشد بشاعة للحرب عندما سرد الروائي ضمن ما سرد من محتويات الحرب "نمل أسود منكمش على نفسه في أرض سوداء".


ثم تأتي إليك صورة لا تقل قتامة من سابقتها، حيث تظهر كاميرا الرواية صفائح الأطعمة بعضها فارغ وبعضها ببقية محتوياته، هياكل عظمية، خوذات الحديد بها جماجم ناضجة، بقايا سترات عسكرية.


ثم تأتي الصورة الأكثر بشاعة للحرب على إطلاقها "جسد مشنوق على شجرة مانجو وهي على شيء من الخضرة مشوهة وبليدة تنمو على أشكال مرعبة".


"الجثة المشنوقة.. جسد جاف - لم تمسه حتى الأطيار الجارحة أو الديدان - لشاب في مقتبل العمر لم تنبت له لحية ولا شوارب.. كان عارياً على عنقه تتدلى تميمة كبيرة بين نابين".


القصة في مجملها تحكي عن شاب أراد أن يبحث الجزء المتعلق بالجزء العملي في بحثه عن التماسيح لينال به درجة الدكتوراه.


فذهب إلى منطقة الدغل - وهي منطقة قاسية وعرة - وبها حيوانات مفترسة.


وقبيل أن ينجز مهامه التي جاء من أجلها سمع صوت ذئب فأطلق عليه النار فأرداه قتيلاً.


ولكن سرعان ما جاءت قبيلة اللا لا التي تسكن الدغل ووقعت على البطل سلطان تية أقصى عقوبة باعتبار أنه قتل روحاً مقدسة.


فحكموا عليه بالمكوث في الكهف على تل في أقصى القرية.


وأن يتناول طيلة مكوثه في الكهف لحوم الذئب وشحومه، وأن يجلس على فروته.


وأن يقابل رأس الذئب المرفوعة على مدخل الكهف صباح مساء حتى تتلبسه روح الذئب كما كانوا يظنون.


تاريخ الدغل
في هذه الفترة يبدأ سلطان تية في اكتشاف المكان ويتعرف عن تاريخ الدغل وأناسه عن طريق المترجمة.


ويكتشف ضمن ما يكتشف من معالم وجود فتاة بيضاء آية من الجمال، فيفتتن بها.


ويعرف أنها من سلالة أسرة مكونة من رجل أبيض وزوجته أتيا من عمق الحضارة الأوربية وآثرا الغابة عندما مرضت الزوجة بمخلفات التلوث الإشعاعي.


فنعرف أنهما - أي الزوجين - كانا عالمي ذرة، وهما من علمّا المترجمة اللغة الإنجليزية التي تتحدثها بطلاقة.


ولكن بعد ذلك يبدأ الصراع الخفي بين الدغليين الذين يرغبون في الحضارة ويصنعون آمالاً عظاماً في أن يخرجهما الزوجان الأبيضان من غياهب الجهل إلى نور الحضارة.


ولكن الزوجين اللذين عانيا من الحضارة والأسلحة النووية وفرّا بعلومهما بعد أن مرضت الزوجة رأيا أنه خير للدغل أن يعيش نقيا ببداوته وألا يلوث الدغليون حياتهم بمخلفات الحضارة، حيث تركا كل شيء ابتداءً من ملابسهما.


كل حاجيات المنزل حتى لغتهما الإنجليزية تخليا عنها وطفقا يتحدثان بإحدى لغات الدغل القديمة، وهذا ما عدَّه الدغليون بداية عصر الانحطاط.


وتنتهي القصة عندما يطمح الكواكيرو – زعيم الدغليين- من الاستفادة من علم سلطان تية ليعلم الأطفال بعد أن يئس في عودة كل الذين ابتعثهم إلى الشرق من أجل أن يتحصلوا على العلم مقابل تزويجه من الفتاة البيضاء التي يحب عند انتهاء فترة تعليمه للصغار.


ولكن يعود الغائبون بوجوه ناعمة، وهم يركبون أحدث السيارات ويلبسون أغلى الملابس.


يعودون ولكن ليس من أجل تعليم الصغار أو بناء المدارس والمستشفيات ويكون في بالهم قرار واحد، وهو إشعال الحرب ضد الشرق.


ويبدأ صراع سلطان تية النفسي في أي كفة سيكون كفة الكواكيرو الذي سيطلق عليه النار إذا لم يمتثل لأوامره أو لكفة المسلحين الجدد، الذين أيضاً سيقتلونه، ولكن تأتي الحرب لتحسم أمره.


مشكلة الجنوب
استطاع بركة أن يعبر عن مشكلة الجنوب الذي رمز له بالدغل برمزية لافتة بينما رمز للحكومة المركزية برمز الشرق."
بركة ساكن أثبت أن أزمة الجنوب تكمن في مثقفيه الذين ذهبوا للعلم الذي لم يوظفوه لخدمة أهليهم، بل عادوا ليشعلوا فتيل الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، حتى لم يبق في الأرض أي أثر للحياة
"

والمعروف أن بركة ساكن كان يرمز للسودان في كل كتاباته بـ (البلاد الكبيرة).


مارس بركة تقنيات بارعة في كتابته للرواية، حيث مارس الاستباق كما مارس الاسترجاع.


كما لم تخل مشاهده من لحظات الصراع النفسي الحاد لبطله، كما حاول الكاتب أنسنة الأشياء.


حيث عدَّ سلطان تية رسومات الكهف ذاتها أهل الكهف - الذين قص القرآن الكريم قصتهم – وأخذ يخاطبهم ويخاطبونه، بل كانت قراراته الحاسمة بناء على نصائحهم.


إذ حدث صراع نفسي حاد عندما هم بمحبوبته البيضاء استيلا وهمت به، ولكن كما رأى نبي الله يوسف برهان ربه في اللحظة الحاسمة.


إذا بأهل الكهف يصرخون به في ذات اللحظة، وينهونه عن الفعل الآثم، فينسل من مكانه، بينما تذهب فتاته لحال سبيلها!!


ويزداد الصراع النفسي ويصل ذروته عندما تتهمه الفتاة المترجمة بالعنة والضعف زيادة على الجبن الموسوم به أصلاً.


فتستفزه وتجرح كبرياءه، فيفعل بها ما رفض فعله مع فتاته، ولا يلتفت لصراخ أهل الكهف وضجيجهم لمنعه، بينما تغالط فلوباندو نفسها، وهي تروي ظمأها منه.


في المقابل استدعى الراوي شخصية الصادق الكدراوي شخصية صديقة لسلطان تية ومعادلا موضوعيا لشخصيته.


فهو رجل مقتحم جريء له خبرة كبيرة مع النساء بخلاف صديقه الذي يستدعي شخصيته عندما يجد مواقف متعلقة بالنساء.


وحتى عندما أحب استيلا الجميلة بمفهومه العروبي البرصاء بمفهوم الدغليين كان يريد الزواج منها ليري صديق عمره – العارف بالنساء - أنه استطاع رغم عدم خبرته مثله أن يأتي بملكة جمال زوجة له.


في نهاية القصة أثبت بركة ساكن أن أزمة الجنوب تكمن في مثقفيه الذين ذهبوا للعلم الذي لم يوظفوه لخدمة أهليهم.


بل عادوا ليشعلوا فتيل الحرب، التي أكلت الأخضر واليابس، ولم يبق في الأرض أي أثر للحياة، لتنتهي الرواية بذات البداية التي بدأت بها في دائرية رائعة.



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."