آخر تحديث للموقع :14:37


الحوار في الإسلام في ظل القضايا المعاصرة

إعداد: د. السماني عبد السلام حاج أحمد
جامعة الملك سعود - عمادة تطوير المهارات
يقول الله سبحانه  وتعالى: "ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"( الآية 25 من سورة النحل).


   "الحوار فن من فنون الكلام والمحادثة، وصيغة متقدمة من صيغ التواصل، والتفاهم، وأسلوب من أساليب العلم والمعرفة، ومنهج من مناهج الوعي والثقافة، ووسـيلة من وسـائل التبليغ والدعوة، استعمله البلغاء والفصحاء في صناعتهم، وعمدت إليه الشـعوب في تواصلها وتفاعلها مع غيرها ممن يحيط بهم، واختطه المفكرون والمربون أسـلوباً ومنهجاً في تعليمهم، واعتمده الأنبياء والرسل والمصلحون في دعوة الناس إلى الخير والفضيلة والرشاد" (الهيتي، عبد الستار:1).


 والحوار أسلوب من التعامل في العلاقات بين الذوات الإنسانية يتوقف وجوده على ما يسود تلكم العلاقات ويكتنفها من مناخ سلمي، فالسلام شرط أساسي لكل حوار ولا حديث فيه بدونه.(ابن عامر، توفيق،2007: 16) ويعتـبر الحوار والجدل ظاهرة عالمية لوجوده في غير الأجناس البشرية كالملائكة والجن ، وقد جعـل الله تعالى الإنسان مفكراً وناطقاً وهذا يدفعه إلى الإفصاح عما في داخله من أفكار وخاصة في مواقف الحوار الذي يقوم على برهنة أو معارضة ، وكل ذلك مركوز في فطرة الإنسان ، ولا يمكن أن يخلو بشر عنده القدرة على البيان من الحوار والجدل ، لأنه يعبر عما في نفسه من بيان بصرف النظر عن طبيعة هذا البيان وبواعثه؛ لأن النفس البشرية مجبولة على حب الدفاع عنها، وتقريـر مطالـبها (بخيت، محمد: 6)."
الحوار أسلوب من التعامل في العلاقات بين الذوات الإنسانية يتوقف وجوده على ما يسود تلكم العلاقات ويكتنفها من مناخ سلمي، فالسلام شرط أساسي لكل حوار ولا حديث فيه بدونه
"

الحوار في اللغة كما ورد في لسان العرب (ابن منظور، محمد: 4/217) "مشتق من الحَوْر وهو الرجوع من الشيء وإلى الشيء، وحار الشيء عنه حَورا ومَحاراً رجع عنه وحُؤراً رجع عنه وإليه" وجاء في القاموس المحيط  "المحاورة  والحوار مراجعة النطق ، وتحاوروا  تراجعوا الكلام بينهم" (الفيروزبادي ، 15/2). وجاء في القرآن الكريم  آيات ذكر فيها الحوار منها قوله تعالى : "وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا" (الآية 34 من سورة الكهف) وقال تعالى :"إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُور" ﴿الآية 14من سورة الانشقاق﴾.


 أما في الاصطلاح فيقصد بالحوار مناقشة بين طرفين أو أطراف، ويقصد به تصحيح الكلام، أو إظهار حجة، وإثبات حق، ودفع شبهة، وردّ الفاسد من القول والرأي، وقيل مراجعة الكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة ، وقيل إنه محادثة بين شخصين أو فريقين حول موضوع محدد لكل منهم وجهة نظر خاصة به هدفها الوصول إلى الحقيقة، أو إلى أكبر عدد ممكن من تطابق وجهات النظر بعيدا عن الخصومة أو التعصب بطريقة تعتمد على العلم والعقل مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة ولو ظهرت على يد الطرف الآخر.(أحمد، صلاح الدين: 4- 5).


وللحوار أصول وقواعد رئيسة تضبط مساره، ينبغي الالتزام بها، فلا بد أن تتحقق إرادة الوصول إلى الحق بالتجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة، والمجادلة بالباطل، وتحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار ركن أساسي فكثير من الحوارات تتحول إلى جدل عقيم سائب ليس له نقطة محددة ينتهي إليها، ولابد من الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي: الكتاب والسنة، والضوابط المنهجية " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59 ﴾" (الآية 59 من سورة النساء).


ومن أساسيات الحوار مناقشة الأصول وضبطها والاتفاق عليها، ومن ثم الانطلاق منها لمناقشة الفروع. (كامل، عمر فضل الله، 1435: 7- 8) إن الاختلاف بين البشر مسلمة ينطلق منها الإنسان عند التعامل مع الآخرين،" وجاء التأكيد على كون الاختلاف  سنة كونية (علي، جابر:251) في قوله تعالى:  "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)  إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119(" (الآيتان 118، 119 من سورة هود). ويعود الاختلاف إلى تباين الناس في مداركهم وعقولهم وألسنتهم وطبائعهم، وقد أشار الله تعالى لذلك في قوله" " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ "  (الآية 22 من سورة الروم). فاختلاف البشر في أنماط تفكيرهم ، وبيئاتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، واختلاف اللغات واللهجات، واختلاف أمزجتهم كفيل بإظهار الخلاف بينهم.


والحوار مهم وفي غاية الأهمية فهو مهم لتربيتنا وتربية الناشئة على الصدق في القول والفعل، وإبداء الرأي، وتحمل المسئولية الفردية تجاه المجتمع، ولا شك أن الحوار من أهم أسباب رقي وتطور الأمم من خلال مشاركة الآخرين وعدم إلغائهم.


ويهدف الحوار إلى تحقيق قناعة الطرف أو الأطراف بحجة بعضهم، وقبول الحق، ودرء المفاسد، وحل المعضلات الماثلة أمامهم بأسلوب يسوده التفاهم والاحترام المتبادل بينهم، ولا يتأتى ذلك إلا إذا تجردت النفس عن الهوى، فإنها حينئذ تنقاد إلى جادة الصواب(المرجع نفسه: 252) فالحوار إذن  تعاون بين المتناظرين على معرفة الحقيقة والتوصُّل إليها، ليكشف لكل طرف ما خفي على صاحبه منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، والغاية  دفع الشبهة والفاسد من القول والرأي(دقاق، هيثم :144) "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " (الآية 30 من سورة الروم). فكلما سما الإنسان وترفع عن أنانيته  أوجد للآخر مكانا أرحب، والحقيقة ليست في الأنا بلى إنها تتكامل مع الآخر حتى في نسبيتها، والحوار مع الآخر اكتشاف للأنا وإضاءة واسعة على النواقص التي لا تخلو منها شخصية إنسانية ، يقول جان بولسارتر : "الآخر هو وسيط بيني وبين نفسي ، وهو مفتاح لفهم ذاتي والإحساس بوجودي". (المرجع نفسه: 143).وبتالي فإن إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط  يرضي الأطراف المتحاورة ، وإظهار الحق، وإزهاق الباطل تعد من أسمى أهداف الحوار.


والفكر الإسلامي لا يعرف إلا الحوار مع الآخر، والاعتراف به وقبوله، والعيش من أجل إعمار الأرض، وبناء الكون، والأدلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال : اعتبر القرآن الكريم أن جميع الناس خلقوا من نفس واحدة (أب واحد وأم واحدة) والناس في ذلك جميعا سواسية كأسنان المشط، وأن لكل إنسان كرامته وحرمته بصرف النظر عن الجنس واللون والدين، ونص القرآن على أن الاختلاف سنة من سنن الله عز وجل في الكون، وأن المسلم يؤمن بجميع رسل الله وكتبه، وأن هذا الإيمان جزء من سلامة اعتقاده وكمال إسلامه.) عبدالفتاح، شعيب:1).


 ولم يكن الإسلام بدعوته إلى إعلاء قيم العدل والمساواة والحرية والشورى إلا منهجا يهدف إلى التأسيس للسلم الاجتماعي، لا بين اتباعه فحسب بل بينهم وبين غيرهم أيضا " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا" (الآية 49 من سورة النساء) " وإذا خاطبهم الجاهلون قالو اسلاما" (الآية 63 من سورة الفرقان) فالإسلام لا يشرع للعداوات ولا يجيز العنف إلا في الحالات الاضطرارية التي تعذر فيها دفع العدوان ورده بالطرق السلمية  "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى‏ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ. (الآيتان 8- 9 من سورة الممتحنة" " وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (الآية 61 من سورة الأنفال) وتكفي الإشارة إلى أكبر فتح في الإسلام هو فتح مكة وقد كان فتحا سلميا أُعطي فيه الأمان لألدّ أعداء الدعوة فإذا الأعداء هم الطلقاء وإذا العفو يحل محل الانتقام .(ابن عامر، توفيق،2007: 17)


ويدعو الإسلام اتباعه إلى تبني ثقافة الحوار منذ وجوده ويجعله ضرورة حياة وارتقاء لكل مسلم، بوصفه ذا بعد حضاري وإنساني يحترم الآخر باختلاف أجناسهم وألوانهم، وهذا ما تشهد به قصص الأنبياء جميعا.

"
العقل الإسلامي- منذ نزول الوحي – اعتمد مبدأ الحوار، وجعله أساسا للشريعة للوصول إلى الحق، ثم انفتح على ثقافة الآخر وحوار الآخر داخليا وخارجيا دون أن يصاب بعقد فكرية أو اجتماعية أو دينية
"
والعقل الإسلامي- منذ نزول الوحي – اعتمد مبدأ الحوار، وجعله أساسا للشريعة للوصول إلى الحق، ثم انفتح على ثقافة الآخر وحوار الآخر داخليا وخارجيا دون أن يصاب بعقد فكرية أو اجتماعية أو دينية استنادا إلى قوله تعالى: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (الآية 64 من سورة آل عمران) (جمعة، حسين: 5). "وحوار القرآن الكريم كان الهدف منه إيضاح الحق  كحِوار الخالق -عز وجل- مع إبليس، حِوار نوح مع قومه، حِوار هود مع قومه، حِوار صالح مع قومه، حِوار إبراهيم مع أبيه و قومه، حِواره مع النمرود، حوار شعيب مع قومه، حِوار موسى مع فرعون و قومه و العبد الصالح، الحِوار مع الملحدين، الحِوار مع المنافقين، والمشركين".

www.islamtoday.net "والحوار المطول مع إبليس أشهر من أن يشار إليه (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)  قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ  ((15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)  ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)  قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19).(الآيات 12- 19 من سورة الأعراف). والله يحاور أنبياءه بواسطة وبدون واسطة " وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا" ( النساء :١٦٤﴾ ويلومهم على بعض تصرفاتهم إذا اقتضى الأمر ويعدهم بعد الاجتباء عن طريق الحوار لتحمّل رسالته، والله يحاور عباده على لسان رسوله " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (البقرة : 189) " يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة:217) " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" (البقرة : 119)" .(ابن عامر، توفيق،2007: 16)


وهكذا تأسس الحوار في حياة المسلمين بأفضل صورة انطلاقا من الرغبة الإيمانية الصادقة بالحوار لتحقيق مصلحة الدين الحنيف وعدم الركون للباطل والهوان. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حاور المشركين وغيرهم، ومضى يحقق تثبيت دعوته استنادا إلى خيار واع ودقيق وفق ما يترتب عليه قراءة المستقبل، حوارا شفهيا أو مكتوبا كما جرى في صلح الحديبية، وكذلك فعل الخليفة عمر بن الخطاب (في العهدة العمرية) ثم أصبحت ثقافة الحوار تتضح بين القوم الذين ينتمون لأمة واحدة، وبين الأقوام الذين ينتمون لأقوام شتى، وبرز حوار الثقافات والأديان، والفلسفات في العصر العباسي. (المرجع نفسه: 5). ونتيجة لما تقدم يتضح أن الإسلام قد رسخ قواعد الحوار داخليا وخارجيا في إطار العقيدة الصحيحة، واعتمد مبدأ الإخاء والتسامح، وتبادل الرأي، لإنتاج الحكمة النافعة للجميع وردم الهوة بين المتحاورين، وهذا يفرض علينا السير قدما في اتجاه الحوار.


لذلك لا غرابة أن يدعو الدين الإسلامي للحوار ويحافظ على آدابه التي منها "حماية أطراف الحوار وحفظ الود بينهم تأمينا لاستمرار الحوار، والابتعاد عن أسلوب التجريح وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن التنابذ بالألقاب وعن سخرية البعض من البعض، ومن آدابه الإفساح للرأي الآخر، واحترام الحقيقة والأمانة في عرضها بنصها وفي إطارها الزمني والموضوعي، وتحديد مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف حول الموضوع أو المواضيع المعنية بالحوار، وتبادل البيانات والمعلومات قبل اتخاذ المواقف" (أبو المجد، أحمد كمال: 93- 94)


ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال أصبح العالم كما يقولون قرية صغيرة ولذلك ينبغي فتح قنوات اتصال مختلفة للتخاطب بين المجتمعات بما يسمى لغة الحوار، مما يؤكد أن تطور المجتمعات يقاس بمدى القدرة على الحوار فيما بينها، إضافة إلى التطور في المجالات الصناعية والعلمية  وغيرها، وإن وصف ثقافة ما بأنها ثقافة حوار يجب أن تتوافر فيها إمكانات الحوار مع النفس، وذلك بمحاسبتها ليتحقق الصدق مع الذات والحوار مع الآخر، والإيمان بوجوده وحقوقه وواجباته. ولا بد لأي مجتمع أن يقتنع بمبادئ وعادات وتقاليد الجانب الآخر، ويحترم إرثه ومعتقداته ليكون هناك حوارا يمكن من خلاله التعبير بصدق عن الاحترام والتعايش المتبادل، والذي يفضي إلى التغلب على المشاكل الناتجة عن سوء الفهم وعدم الثقة التي تسود بعض المجتمعات. (العزري، أحمد بن سالم: 52).


والسؤال الذي نطرحه لماذا انتشر الحوار بين المسلمين؟  تعددت الأسباب التي أدت إلى انتشار الحوار في بلاد المسلمين ومن أهم هذه الأساب: (بخيت، محمد: 10).


2- الشـبهات والشكوك التي يلقيها بعض المشركين والمنافقين ، وكذلك اليهود والنصارى والدهريين والعلمانيين وغيرهم بقصد الطعن في الدين الإسلامي ومن جاء به للصد عن الإسلام ، مما دفع علماء الإسلام للتصدي لهم ببيان زيف ما يدعون.


2- انتشـار الفتح الإسلامي ، ودخول كثير من الأمم ذات العقائد المختلفة في حوزة الدولة الإسلامية ، وسريان كثير من رواسب تلك الأمم إلى المسلمين بحكم الجوار والمخالطة.


  3- الاختلاط بالأمم الأعجمية ، ودخول كثير من هذه الأمم في الدين الإسلامي، وكان منهم طائفـة اخـتارت الإسلام عن رضا مع حسن النية وصدق الإسلام ، ولكنها لم تفهم الإسلام كما ينبغـي فخلطت أقوالاً قديمة متأثرة بالفلسفة اليونانية القديمة وأديانهم المنحرفة ، وأخرى إسلامية جديدة فكان لها من الرأي مخرج خاص لا هو بالقديم المحض ولا هو بالجديد الصافي ، فنشأ من ذلـك آراء متباينة التف حول أصحابها من يشايعهم.


4- ورود بعض النصوص من القرآن الكريم والسنة المطهـرة تحتاج إلى تفسير.


5- ميل بعض العقول إلى الترف العقلي بالبحث فيما يعرض من مبهم أو مشكل ، واختيار المسائل التي تثيرها دواعي السياسة والاجتماع.


6- الـتعرض لبحـث كثـير من المسائل التي ليس باستطاعة العقل البشري الوصول إليها مـنفرداً عن الشرع كالغيبيات ، ومسألة القضاء والقدر وغيرها ، فإن البحث في هذه المسائل فتح بـاب الحوار والجدل.


7- اخـتلاف المـدارك : حيث تختلف طبيعة عقول الناس وفهمها من شخص لآخر ، فمن عقـل متسـع نـير إلـى أوسع ، إلى أوسع من جانب وأضيق من جانب آخر ، وهذا يؤدي إلى اخـتلاف إدراك الناس للأشياء فهناك من ينفذ إلى الحقيقة ، وهناك من يحيط بجزء منها ، وهناك مـن يسـيطر عليه الوهم والخيال ، فاختلاف المدارك وطبائع العقول سبب في اختلاف ما تنتهي إليه هذه العقول
   والمتأمل في أحوال الساحة العربية والإسلامية في وقتنا الحاضر يصل إلى قناعة تامة بأننا أحوج الأمم لفتح قنوات الحوار فيما بيننا أولا وبيننا وبنين شعوب العالم الآخر الذي تجمعه أبسط وأوهى نقاط التلاقي، بينما تجمعنا نحن أقوى الوشائج دين واحد، وقبلة واحدة، ولغة واحدة نلتف حولها نؤدي بها صلواتنا ومناسكنا، إننا فعلا نحتاج إشاعة ثقافة الحوار بيننا والآخرين،


"أما أصل الحوار الذي يبدأ جدلا ويقود تدرجا، بحسب أهمية العلاقة فيه، ربما إلى قتال، أصله في سنة الخلق الإلهي المؤسسة طبيعتها على الثنائية أو الزوجية، فلا تتولد الحياة نفسها إلا بالتفاعل بين الحق والباطل، أو بين الخير والشر. ونحن المسلمون قد يبدو لنا ذلك الآن دفاعا عن النفس في واقع محاصر بالهيمنة الغربية على وسائل الإعلام والاتصال والخطاب الشفهي والكتابي المحيط بنا، محروسا بقوة العلم وآليات الحرب، وقد نقدِّر أنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأقلامهم ومادياتهم وخططهم المنظومة لذلك، ولكن لو لم يبادرونا هم بهذا الاستفزاز العدواني الذي يؤدي بالضرورة إلى تحريك الحوار، لوجب علينا – نحن – أهل الرسالة حمل لواء تبليغها.( الترابي، حسن عبدالله : 2)


علينا أن نغتنم فرص الحوار في زمن نشاهد فيه ونرى يوميا عجز الآلات المدمرة، والجيوش المجهزة عن تحقيق الأهداف المرجوة، وقد تحقق بالحوار ما عجزت عنه البندقية.


   وفي الختام مهما بلغت حدة الخلاف بين الأمة الإسلامية أو بيننا والغرب والتي زادت في زماننا هذا فإن لكل مشكلة حلا، وثقافة الصراع التي سادت بين الأمة الواحدة لا بد أن تقابلها ثقافة أخرى مقابلة وهي ثقافة الحوار، فالحوار هو أعلى المهارات الاجتماعية قيما ورقيا ومكاسب، وعلى وسائل الإعلام تشجيع ثقافة الحوار البناء الفعال؛ لأن الحوار هو عمل الأنبياء مع أقوامهم، والعلماء مع ذواتهم، والمفكرين مع بعضهم، والقادة الناجحين مع مرؤوسيهم، والمربين الحقيقيين مع أبنائهم، وهو أساس لنجاح الأب مع ابنه، والزوج مع زوجه، والصديق مع صديقه، وأبناء الأمة مع بعضهم البعض، فالأمة القوية العزيزة المتقدمة هي التي تشبع فيها ثقافة الحوار بين أبنائها لا ثقافة الصراع، وفتح أبواب الحوار يفتح أبواب الأمل، وآفاق التطور والعدل، والحياة الأفضل . )حجازي، آندي: 2)
فللحوار ثمار طيبة وآثار عظيمة  في حياة كل المجتمعات، فهو  ضرورة إنسانية ينبغي انتهاجها و قبولها كصيغة إيجابية  فهو مفتاح لحل كل المشكلات و التوترات والانسدادات السياسية والفكرية و الثقافية و الاجتماعية.


ونطمع في تفعيل وإنشاء المزيد من مراكز الحوار والمنظمات  التي تفتح أوسع الأبواب للحوار فيما بيننا وبينا وبين الغرب فالحل الأمثل لقضايانا المعاصرة هو الحوار ثم الحوار.

المصادر والمراجع


أولا: المصادر
1- القرآن الكريم.
2- ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، دار صادر، الطبعة الثالثة، بيروت، 1414هـ (4/217).
3- ابن عامر، توفيق، الإسلام والحوار، ندوة التراث العربي والحوار الثقافي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس، 2007
4- الفيروزأبادي، القاموس المحيط  15/2 ، مادة الحور، طبعة سنة 1398هـ-1978م ، دار الفكر ، بيروت.


ثانيا: المراجع:
1- أبو المجد، أحمد كمال، أدب الحوار المسلم المعاصر - مصر ، ع 3، 1975: 87-96
2-  العزري، أحمد بن سالم، ثقافة الحوار،   تواصل -عمان، ع 11، 2009: 52
3- الترابي، حسن عبدالله، أطروحات الحركة الإسلامية في مجال الحوار مع الغرب، شؤون الأوسط - لبنان , ع 36، 1994
4-الهيتي، عبدالستار ابراهيم (2004م)، كتاب الأمة “الحوار الذات والآخر” دار الكتب القطرية، قطر.
5ـ بخيت، محمد، أدب الحوار، الجامعة الإسلامية بغزة، كلية أصول الدين مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر (8-7 ربيع الأول 1426هـ ، 17-16 أبريل 2005م
6- جمعة، حسين ، ثقافة الحوار في مواجهة اختلاف الأمة،  مجلة أمة الاسلام العلمية - السودان , ع 9، 2011
7- دقاق، هيثم ، مجلة الفكر السياسي - اتحاد الكتاب العرب بدمشق - سوريا ، س 14, ع 45، 2012: 143-158
8- حجازي، آندي، ثقافة الحوار أم ثقافة الصراع ، مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت , س 50, ع 576، 2013: 18- 21
9- أحمد، صلاح الدين، الحوار في الإسلام، مجلة بحوث القرآن الكريم والسنة النبوية، العدد الأول، 1434هـ: 4- 5
10- عبدالفتاح، شعيب ، ثقافة الحوار مع الآخر، مجلة الدبلوماسي ( معهد الدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية السعودية ) - السعودية , ع 25، 2005
11- على جابر وداع ، مجلة القراءة والمعرفة -مصر ، ع 132، 2012: 254-284
12- كامل، عمر فضل الله(1435) آداب الحوار وقواعد الخلاف، المؤتمر العالمي حول موقف الإسلام من الإرهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 7 إلى 8 صفر :6-7)

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته   جوال 00966545041151
www.islamtoday.net


 



شبكة الشروق


التعليقات (2)
  • مجهول
    هو مجرد سؤال أرجو له إجابة:

    ماذا إن شاء الله وأصبح سكان العامل أو نصفهم جميعهم مسلمون ... كيف يتم أداء الركن
    الخامس لعدد مليار مسلم سنويا على أقل تقدير.. بإعتبار أن كلهم قادرون وعليهم أداء
    الفريضة
  • لمياء ام مكرم  - الخرطوم
    السؤال حتي متي ننتظر مراكز ومنظمات تقرب وجهات النظر وتردم هوة الجدل
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."