آخر تحديث للموقع :23:20


جنوب السودان... حالي يغني عن سؤالي

بقلم: الهضيبي يس
كاتب صحفي
لن ينسي السودانيون تاريخ السابع من يوليو من العام 2011، وهو توقيت انفصال جنوب السودان الذي أصبح دولة معترف بها، نتيجة لاستفتاء تقرير المصير الذي جاء ايفاءً من قبل الحكومة السودانية باتفاقية السلام (نيفاشا) التي وقعت في العام 2005.


كانت اتفاقية السلام التي وقعت في العام 2005، محطة جديدة في تاريخ الدولة السودانية بحيث حولت المشهد السياسي برمته إلى حسابات جديدة على مايبدو لم تحسب الحكومة السودانية فيها الأرقام والقراءات بشكل جيد.


فهي التي كانت تدفع في طريق الوحدة برغم من وجود طرف يسعى إلى الانفصال والاستقلال برقعة جغرافية دام فيها النزاع لمايزيد عن 60 عاماً، أي منذ خروج أول رصاصة من قبل أحد جنود التمرد بتوريت في العام 1955.


 وتقول الحسابات المنطقية إنه كان على الخرطوم أن تتحسب لنتائج الانفصال من حيث الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية.


ونتائج ما قد يحدث على مستوى مستقبل السودان القريب والبعيد عقب ظهور دولة جارة ذات مكون إثني وديني وجغرافي جديد تتعدد فيها جبهات التفكير للدولة.


بالإضافة إلى ضرورة استصحاب نظرة المجتمع الدولي الذي كانت تراهن عليه حكومة الرئيس سلفاكير ميارديت في جوبا فيما يتعلق بدعم الدولة الوليدة.


ناهيك عن مجموعة النخب الجنوبية التي لا تزال تحمل فكرة آيديولوجية التغيير السلمي والمسلح وطموح عدم الاكتفاء بدولة كـ (جنوب السودان) فقط، حيث الاعتقاد لديها أن تتغير ملامح الدولة السودانية برمتها عن طريق ما يعرف بمشروع (السودان الجديد).


هذه الأمور وغيرها من الأشياء هل كانت محط اهتمام الخرطوم عندما بصمت بالعشرة على نتائج الانفصال وأحقية الجنوبيين في تكوين دولة.


نيران.. الحرب
ولم تتح الحرب التي اندلعت في جنوب السودان بعد مرور عامين من إعلان الدولة، لم تتح لها الفرصة لاستكمال الفرحة بتحقيق حلم لطالما تأخر طويلاً.

"
الحرب التي اندلعت في جنوب السودان بعد مرور عامين من إعلان الدولة، لم تتح لها الفرصة لاستكمال الفرحة بتحقيق حلم لطالما تأخر طويلاً
"
بل وجعل الأطراف الإقليمية والدولية تراجع حسابتها في إطار معايير ومكونات الدولة الجنوبية، فالحرب التي اشتعلت في العام 2013 خلفت وراءها مئات الآلاف من القتلى والجرحى.


فضلاً عن نزوح ولجوء مايزيد عن 500 ألف مواطن جنوبي إلى دول الجوار من بينها السودان.


الأمر الذي ترتب عليه إنهاء مؤسسات بقدر وجودها البسيط وخزينة البلاد التي كانت ولا تزال تعتمد على عائدات النفط بشكل أساسي في تسيير أمورها.


الحرب بدورها وضعت المجتمع الدولي في حرج بالغ، خاصة وأنه كان يراهن على جنوب السودان في تغيير الخارطة الأفريقية وتشكيل كرت ضغط جديد على الخرطوم.


فالحكومة السودانية لا تزال تتخوف من أن يُستغل الجنوب كمنصة لتهديد أمنها القومي وبأن تتحول الدول الوليدة إلى قاعدة عسكرية للبلدان الغربية ودولة إسرائيل التي لديها عداء معلن معها منذ وقت مبكر.


 فالولايات المتحدة الأميركية ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريق، .سعت أخيراً لإيقاف نيران الحرب بجنوب السودان عقب خلافات قد نشبت بين رئيس الحكومة سلفاكير ميارديت وزعيم المعارضة د. رياك مشار.


بدءاً بتبادل الاتهامات مروراً بالحرب المسلحة واستعصام كل طرف بالقوة الإثنية والتمرد القبلي الذي يعتبر أشبه بمفهوم العودة للجذور في الحرب الجنوبية.


فالضغوط التي مورست على المجموعات الجنوبية في ضرورة التوصل لاتفاق ينهي حالة الحرب في الجنوب، قد مرت بثلاث مراحل سواءً كان اتفاق أديس أبابا الأول والثاني واتفاق أروشا التنزانية الذي وقفت على إنفاذه مجموعة الإيقاد من الاتحاد الأفريقي.


وهذا قضى بتقاسم الحقائب الوزارية بين أطراف النزاع المسلح وحصول زعيم المعارضة الجنوبية والذي يحسب على فئة النخب بالدولة "د. رياك مشار"، على منصب نائب رئيس الدولة.


بالإضافة إلي إشراك المعارضة في الهيئة البرلمانية وحكومات الولايات وحصص النفط وغيرها من البنود ذات الطابع السياسي والاقتصادي.


دون التطرق إلى قدرة الجهات المهندسة للاتفاق على توفير آليات وأدوات عملية تستطيع من خلالها فض وحسم أي خلافات متوقعة قد تنشب بين الأطراف الجنوبية في مقبل الأيام في دولة أقل ماتوصف بـ (الهشاشة).


 فرياك مشار الذي أرجأ وصوله بشكل مفاجئ لجوبا لأداء القسم الدستوري بسبب مبررات وصفت بـ(اللوجستية)، وهي في حقيقية الأمر تعود إلى خروقات وقعت للاتفاقية قد ترمي بظلالها على الاتفاقية برمتها والعودة إلى المربع الأول حال عدم حسم التفلتات من كل طرف.


السودان... في اللعبة 
فالخرطوم التي لا تزال تخوض حرباً باردة مع جوبا بتبادل الاتهامات والتصريحات الإعلامية من قبل كل طرف بفتح جوبا أراضيها أمام قوات الحركة الشعبية- قطاع الشمال.

"
المسؤولون في الخرطوم وجوبا أكدوا الرغبة في العيش بسلام وتطوير العلاقة إلى أبعد حد ممكن واستقلال مساحات العلاقات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية المشتركة في تنمية بنيات كل دولة
"

بل ومد يد العون لها في زعزعة الأمن والاستقرار بالسودان والعمل على توسعة رقعة الحرب بالدولة من خلال التنسيق المشترك أيضاً مع بعض الفصائل والحركات الدارفورية والتي هي الأخرى تخوض حرباً مع الحكومة السودانية بإقليم دارفور.


بذات القدر تظل تستند جوبا على اتهامها المتكرر للخرطوم أنها تعمل على مساعدة المعارضة الجنوبية الساعية لاسقاط حكومة الرئيس سلفاكير.


على توفير الدعم اللوجستي مع المؤن الغذائية والسلاح على الحدود السودانية الجنوبية، لضرب مواقع بدولة جنوب السودان تعتبرها استراتيجية.


الأجواء المشحونة بالتشكيك والظنون الدائمة، ألقت بظلالها على واقع علاقة البلدين المستقبلية.


على الرغم من تأكيدات المسؤولين في الخرطوم وجوبا بالرغبة في العيش بسلام وتطوير العلاقة إلى أبعد حد ممكن.


واستقلال مساحات العلاقات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية المشتركة في تنمية بنيات كل دولة.


جوبا التي هي في حاجة إلى مايقارب الـ (72) سلعة غذائية تعمل على إنتاجها الخرطوم.


بالمقابل السودان هو الآخر يظل يعيش ظروفاً وأوضاعاً اقتصادية، أقل ماتوصف بالاستثنائية.


خاصة عقب تراجع صادرات السودان بشكل ملحوظ بعد انفصال الجنوب، حيث كان يعتمد على مايقارب 68 بالمئة في الميزانية على عائدات النفط.


بالإضافة إلى الحرب التي استنزفت الخزينة السودانية على حساب مشاريع تنموية والتزامات سياسية تم ترحيلها على أمل تنفيذها في المستقبل القريب.


هذه الأمور وغيرها جعلت الحكومة في الخرطوم تدفع في اتجاه جديد وهو البحث عن سلام في أرض (العم منقو)، تحت مظلة منظمة السلام والتنمية الأفريقية (إيقاد).


وهو ماقد نجحت فيه ولو على مضض في توقيع الأطراف الجنوبية على اتفاق يحسبه البعض بصيص أمل لإعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي في دولة مثل جنوب السودان.


وهو الأمر الذي قد لا يتناسب مع بعض الأطراف التي تنظر للاتفاق من منظور الخسارة الكبيرة لها، وعلى رأس تلك الدول (يوغندا) الشريك الرئيسي للحرب مع سلفا.


 والرئيس يوري موسفيني، هو الآخر له من الحسابات الخاصة التي قد يري فيها بأن استطالة أمد الحرب في جنوب السودان في صالحه.


فمن حيث الوقائع الموضوعية فإن اتفاق طرفي النزاع في جوبا (سلفا– مشار)، قد ينتقص من التخطيط الاستراتيجي اليوغندي نحو جوبا.


سواءً في توفير مدها بالعتاد والسلاح واستبدال عنصر العداء غير المعلن مابين كمبالا والخرطوم، إلى سلام ولو بشكل مؤقت خاصة بعد تغيب الطرف الجنوبي الذي كان بالإمكان أن يقوم بلعب دور خلق زعزعة الاستقرار والأمن في السودان.


 فالاتفاق الموقع نص وبالعبارة على مغادرة جميع الأطراف العسكرية والمدنية المعارضة للحكومة السودانية لجوبا.


وهو ماقد يجعل أمام هذه الأطراف مخرجاً واحداً فقط، وهو اللجوء إلى دولة الرئيس موسفيني.


الأمر الذي يلقي عليه أعباء جديدة هو في غنى عنها.

حجر... في البركة
حيث ينبغي على حكومة الرئيس البشير المسارعة في الاستفادة من أجواء الهدوء النسبي الذي يسود جنوب السودان هذه الأيام.

"
التزام الأطراف الجنوبية الموالية والمعارضة منها بالاتفاق، سينعكس إيجابياً أولاً على الخرطوم من حيث العامل الاقتصادي والاستقرار الأمني
"
واستبدال الشكوك بثقة مؤقتة في تنفيذ قرار فتح الحدود مع الدولة الجارة الذي تراجعت عنه أخيراً بسبب توتر الأوضاع السياسية والأمنية بين البلدين.


فإن التزمت الأطراف الجنوبية الموالية والمعارضة منها بالاتفاق، فإن انعكاس الرياح سيكون أولاً على الخرطوم من حيث العامل الاقتصادي والاستقرار الأمني.


عقب العمليات العسكرية التي نفذتها أخيراً في كل من دارفور وولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان.


والتي حققت من خلالها انتصارات عسكرية حدت من دور المجموعات المسلحة المعارضة في الدولة والتي كانت في فترة من الفترات تسيطر على بعض المواقع الجغرافية ماتعرف بـ (المناطق المحررة).


وأخيراً في  حال تجدد عجلة الحرب من جديد بجنوب السودان، فمن المؤكد سيكون له مابعده.


فالخرطوم التي تستقبل مايزيد عن 300 ألف لاجئ جنوبي بسبب طول الحدود التي صعب عليها إغلاقها.


لا بد لها أن تبحث عن شفرة توقف النزيف الجنوبي (الحرب) التي تحولت أخيراً بشهادة العالم إلى حرب أهلية راح ضحيتها آلاف الجنوبيين نتيجة للمطامع والأجندات السياسية الخفية والسرية منها.


فتحول ضوء النهار إلى ظلام دامس بسبب الدخان الكثيف لألسنة اللهب واستبدل لون النيل الأزرق بـ (الأحمر) في إشارة إلى الدماء وامتلأت الطرق في بعض المدن إلى جثث متعفنة.


فحقاً الأمر في حاجة إلى وقفة لحسم الفوضى وإدراك حالة الانزلاق إلى مرحلة (اللادولة) بجنوب السودان.

 



شبكة الشروق


التعليقات (3)
  • seham
    اخي الهضيبي اصبت في كثير مما زهبت الية والاجمل ان عنوان الموضوع شيق وجازب كما ان
    هنالك توزان ما بين الجانبين من خلال سردك للتحليل
  • حسن ابوجعفر
    سلمت يداك اخ هضيبي هناك طرف في المنظومة ولكن بصورة ضعيفة ولا تخلو من الاثر وهو
    الجارة اثيوبيا
    تناول سلس عالي المهنية يقود الي ارتياح بان هناك من يملك ناصية الكتابة بعيدا عن
    ضيق النظرة
    ليتك تكثر من كتاباتك
  • Babekeryahaya  - جنوب السودان ولاية واراب
    انا راي حكومة السودانية تتدخل وتحل الخلافات





علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."