آخر تحديث للموقع :21:16


البنية الفكرية والاجتماعية للمثقف في السودان الحديث

د. اليسع حسن أحمد
أستاذ مشارك، جامعة طرابلس - ليبيا
الفرضية الأساسية التي حاول الدارس إثباتها في هذه الدراسة هي أن المتغيرات والتحولات الاجتماعية والفكرية في السودان الحديث أثرت في بنية وتفكير المثقف السوداني ومنتوجه الإبداعي ولاسيما الدراما – المسرح وكذلك مدى مساهمته في الحياة السودانية حاضرها ومستقبلها.. (الشروق نت). 


تمهيد
 من الضروري الحديث عن الثقافة وتجلياتها وتمظهراتها المختلفة وبعض وظائفها وعلاقاتها مع المجتمع الذي تنتج فيه، لكي يكون رابطاً موضوعياً ومنطقياً في فرضيات هذه الدراسة وأسئلتها، ومدى التأثير الفكري والاجتماعي في بنية وتفكير ومنتوج المثقف السوداني الحديث ونعني به هنا الدراميين بتخصيص أكثر، والحقل هنا هو المجتمع السوداني، وبالتالي لا يمكن بحال من الأحوال عزل الدراما والثقافة عموماً عن محيطها الاجتماعي، وكذلك عن وظيفتها الإنسانية، فالدولة التي لا تزال تتشكل ولم تتضح ملامحها المدنية وهويتها وقواسمها المشتركة بعد، نجد أن إنتاجها الدرامي عموماً ينحو نحو الوظيفة، كشأن، جل المجتمعات النامية وذات الحاجة الماسة للبنى التحتية وغلبة الآني والمادي اليومي على الكوني والوجداني ليصبح بناء المكان والمتطلبات اليومية الملحة على حساب الإنسان ومآلاته وتحدياته.


 في دولة مثل السودان تصنف ضمن منظومة العالم الثالث، وهو مسمى للدول الأقل نمواً في العالم، تنتج فيه الثقافة (الدراما بمفاهيمها القاصرة) عادة لأداء وظيفة أو وظائف محددة، فإذا استعنا بالمسرح مثلاً كمظهر ثقافي مهم نجده، وفي بداياته تم رفده بأبكار الخريجين ورموز المؤسسة الرسمية الدينية والسياسية ورجالات الحركة الوطنية لأداء وظائف مثل التعليم وإذكاء روح التحرر الوطنية، وعندما تحقق ذلك أداروا له ظهورهم.


 ولعل أكبر إشكالات الثقافة (الوظيفية) هو هجرانها من داعميها حال تحقق الوظيفة. وكذلك التعقيدات الفلسفية والقيمية في الخلط الشنيع ما بين مهام الجمالي ومهام المادي اليومي المحسوس، والتفريق ما بين بناء الوجدان وبناء المكان، وعدم وجود الاتساق ما بين النمو والمعرفي الفكري الثقافي والنمو الوجداني، ليورث نتائج قد تكون مدمرة في المستقبل، رغم أهمية وخطورة الشأن الدرامي.

"
المسألة تبدو أكثر تعقيداً ما بين الكتابة والمجتمع – المنتج والمتلقي، فالنص يبدو ثابتاً وساكناً، وقد تشكل وفق معطيات أصبحت جزءاً من الماضي، والمجتمع يبدو متحولاً ومتعدد القراءات للنص، وبالتالي يكون الأمر هو أمر جدل وحوار مستمر ومتجدد
"
ومن نافلة القول إن العصر الاتصالي أو الرقمي الماثل الآن، الذي أعطي راية الهيمنة للغرب ما هو إلا نتاج عصر النهضة الأوروبي، وهو عصر عقلاني محض. وكذلك عصر الرخاء و(سحائب) هارون الرشيد. وهو نتاج طبيعي للعصر الإسلامي الأول الزاهر عدلاً وعلماً.


 لكن الحديث عن الوظيفة والوظيفية لا نعني بها تخلي الفن – الدراما والثقافة عموماً – عن رسالته في الوجود، ولكن ننأى به عن تحميله مهام عجولة وآنية (انتهازية) غالباً، علماً بأن هناك اتجاهات نقدية متعارف عليها تمهد لوظيفة الفن في الحياة، فمثلاً الناقد (أبرام Abrams) أنظر آرثر ابرا برجر (2003 ص 56-60.) في كتابه المرآة والمصباح: النظرية الرومانتيكية والتراثThe mirroar and the lamp:romantic theory and pragmatic thearias of art. تفرض هذه النظريات أن الفن له وظيفة يقوم بها من قبيل، تعرفنا بالحياة وغرس القيم الفاضلة والأخلاقية وإقناع المتلقي بأداء أفعال معينة ويفسر Abrams ذلك بأن الاتجاه البراجماتي ينظم هدف المثقف ويحدد شخصيته.


 ويرى كذلك ارتباط هذه النظريات بالمجتمع والثقافة والفن إن كان محاكاة، فالمحاكاة ترتبط أساساً بالكون (المجتمع حراك الناس والأشياء)، علماً بأن الثقافة وتجلياتها المثلى في الفن عموماً والدراما على وجَّه التخصيص ترتبط بالنص (جدل الذات والموضوع) والقراءة ترتبط أساساً بالمتلقي، ومقدار الفائدة التي يجنيها من النص الإبداعي، ومقدار تأثير هذا العمل ومقدرته على الفعل والتفاعل، وبالتالي تظل (الميديا) هي التي تجمع كل تلك الوظائف وتتكامل عندها الأدوار، ويتجدد دورها بمقدار قدرتها على النفاذ والتأثير.


وكذلك يذهب إيزار Isar وهو من المنادين والمبشرين بنظرية التلقي Reception theory إلى نظام فض النصوصDecoders of texts وهو نظام يذهب إلى خلق حوار بين النص والنظام الاجتماعي: فالعمل الفني "يحتوي على قطبين أساسيين هما الفني ArtisTic والاستطيقي Aesthetic فالفني النص المبدع من المؤلف أو المنتج والاستطيقي يعنى به التحقق الجمالي الذي ينجزه القارئ، فالنص لا تدب فيه الحياة إلا عندما يكون موضوعاً للإدراك" (آرثر 2003م ص61).


 وأصحاب نظريات التلقي يرون في النص خلق وولادة تحمل طابع الفاعلية والمجتمع (موقع القراءة) يعطيها طابع الاستمرار والتحول ومن ثم يظل هناك حوار وجدل وتشكل مستمر ما بين النص (كمنتج)، وما بين المجتمع كقارئ وموقع، يقدم للنص معطيات وجوده وتطوره، والنص كذلك يساهم في الجمالي، الأخلاقي بالتغيير والاستمرار، وبالتالي يفترض أن يكمل كلاهما الآخر "دائماً هناك فضاء ناقص ومؤقت لكل طرف، فإن قيام فضاء آخر مشترك تمارس فيه هذه العلاقة حركتها أو فيه يمارس الفضاءان العلاقة بينهما، ويبرز هنا السؤال، أين ينهض هذا الفضاء المشترك؟ وكيف؟ يمكن للاجتماعي أن يمارس حركته تجاه النص، وهل يمكن للكتابة أن تنهض وتكسب صفة الديموية خارج فضاء الاجتماعي لا نظن ذلك" (يمني العيد ص36-37).


 والمسألة تبدو أكثر تعقيداً ما بين الكتابة والمجتمع – المنتج والمتلقي، فالنص يبدو ثابتاً وساكناً، وقد تشكل وفق معطيات أصبحت جزءاً من الماضي، والمجتمع يبدو متحولاً ومتعدد القراءات للنص، وبالتالي يكون الأمر هو أمر جدل وحوار مستمر ومتجدد. "فليس الاجتماعي خارجاً تقرأه في داخل، بل هو هذا الداخل الذي (صاره) وقد اختلف وتميز في بنية شكله، ليس من داخل وخارج، ليس من طرف وآخر يتقابلان، الكتابة في طرف والاجتماعي المتحول من طرف آخر، بل الأمر برمته نص يعيش زمن الكتابة يعيش نشاطها.. يعيشه ويتميز كبنية.. شكل.. يعيشه ويميزه يختلف.. وليس عيشة هذا سوى حركة وجوده التاريخي". (مهدي عامل 1973م ص245).


 وبهذه المفاهيم نرى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال عزل النص- الدراما هنا - عن محيطها الاجتماعي، فمثلاً لا يمكن قراءة المجتمع بمعزل عن ثقافته ودرامته التي أنتجها. وبالتالي تجيء القراءة للثقافة في السودان، تنطلق من هذه المفاهيم، وفي العلاقات المعقدة والشائكة بين من يكتب ولمن يكتب وكيف يكتب. وبالتالي التأثير العميق للمحيط الاجتماعي والفكري في بنية ووعي وتفكير المبدع – المثقف – الدرامي السوداني.


 السودان الحــديث
  السودان هو القطر المنتمي إقليمياً وجغرافياً إلى مجموعة الدول العربية ويمثل أقصى امتداد لها جنوب الصحراء الكبرى. ويتألف السودان تاريخياً من أربع مجموعات متميزة ويمكن إجمالها في "المجموعة البجاوية والمجموعة النوبية والمجموعة العربية والمجموعة الزنجية، وهم يمثلون نموذجاً من نماذج الكيان المركب، على اعتبار حرص كل مجموعة على ذاتها والقبول بروابط تجمعهم وتلم شملهم في إطار موسع، يكفل معنى الوحدة أو التماس والتوحد" (صلاح الدين علي الشامي ط2 2000م ).

"
السودان تشكل بحدوده المتعارف عليها في العام 1916م "حتى 2009م تاريخ انفصال الجنوب تحت مسمى دولة جنوب السودان حسبما أفضت إليه اتفاقية نيفاشا الشهيرة الموقعة بالعاصمة الكينية نيروبي في العام 2005م"
"
ويمثل الإسلام الديانة الأولى والسائدة مع وجود أقلية مسيحية ووثنية. وتبعاً لذلك صارت اللغة العربية هي اللغة الأولى وحتى القبائل التي تركن إلى لهجاتها الخاصة إن لم نقل لغتها تتواصل فيما بينها باللغة العربية الهجين.


  ويؤرخ لتلك السيادة التاريخية باتفاقية البقط الشهيرة (م625)، حيث فتحت هذه الاتفاقية الباب لتنظيم علاقات سياسة واقتصادية على مدى ستة قرون حتى سقوط دولة علوة المسيحية على يد عبدالله جمّاع وقيام مملكة الفونج، وهي نقطة مؤثرة في التاريخ السوداني إذ "ولد نوع من الاستقرار والثقافة والوحدة السياسية مهّد إلى نشر الدين الإسلامي والثقافة العربية بطريقة أعمق وأشمل مما كان عليه الحال من قبل" (يوسف فضل حسن ط4 1992م).


  والسودان تشكل بحدوده المتعارف عليها في العام 1916م "حتى 2009م تاريخ انفصال الجنوب تحت مسمى دولة جنوب السودان حسبما أفضت إليه اتفاقية نيفاشا الشهيرة الموقعة بالعاصمة الكينية نيروبي في العام 2005م" وذلك بعد ضم دارفور غرب السودان عقب مقتل سلطانها علي دينار على يد الجيش الإنجليزي الغازي. ويؤرخ للسودان الحديث تلك الدولة التي قامت بعد ما عرف في التاريخ السياسي بالغزو التركي المصري (1921)، وإخضاعه لعدة دويلات وممالك لسلطة مركزية واحدة عاصمتها الخرطوم.


وظل بالتالي السودان الحديث يتشكل على أثر الأفريقانية والعربية.


المرتكزات الاجتماعية
يتعرض المثقف في المجتمع إلى عدة مؤثرات، تحدد مسارات حركة التغيير، فلا يوجد مجتمع في حالة ثبات، فالجنس البشري عند استعماره لمكان جغرافي محدد (دولة) يحمل شروط بقائه وتطوره والتحول هو علاقة الزمن بالمكان الجغرافي المعين. والزمن يحدد وتيرة الفعل أو الحركة في اتجاه قضية مقصودة أياً كان نوعها ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية، إعلامية، لذك ربط ابن خلدون كل منطقة بحركة الأفراد تجاه الحرف والصناعات كأن تكون (بطيئة) كالمناطق الحارة أو (سريعة) كالمناطق الباردة.

وعدَّ ابن خلدون أن الحرارة تبطئ التطور والبرودة تسرع التغيير الاجتماعي، وكل يولد نمطاً من الحياة ونوعاً من الحرف والصناعات والسلوكيات وارتبطت هذه (الحتمية) الجغرافية بالزمن "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول" (عبدالرحمن عزي 1995م).

"
ابن خلدون عدَّ  أن الحرارة تبطئ التطور والبرودة تسرع التغيير الاجتماعي، وكل يولد نمطاً من الحياة ونوعاً من الحرف والصناعات والسلوكيات وارتبطت هذه (الحتمية) الجغرافية بالزمن
"
  فالتحولات التي تطرأ على مجتمع ما قد تكون بتأثيرات داخلية مثل حركة المجتمع الذاتية وتراكم خبراته ووعيه وتمدده على مستوى المكان وعلى مستوى الأسر وتعاقب الأجيال.


  وأيضاً هناك تأثيرات خارجية مثل وسائل الاتصال وتبادل الأفكار والثقافات والتداخل والتبادل وحركة التدافع ما بين الدول والجماعات والأفراد.


  لذلك عدَّ المفكر الجزائري مالك بن نبي أهمية الزمن واستغلاله ضرورياً في أي عملية تغيير أو تحول اجتماعي. فالزمن آيل إلى صيرورة "والشمس تجري لمستقر لها" (يس - الآية 38) وما دام المكان ثابتاً فإن الزمن يمثل أهم عناصر الحضارة "الإنسان، الأرض، والزمن، فثقافة أي أمة أو مجموعة سلوكاً وتفكيراً وإنتاجاً وعلاقات تبني على هذا الجدل المستمر بين الإنسان والأرض. والزمن الأرض، المكان فهو ثابت والزمن هو الذي يحدد حركة الإنسان وقدرته على التغيير، فالإنسان مفكر متجدد واع"*. فكثير من آيات القرآن الكريم حفلت بتدافع الناس بعضهم بعضاً وحركة الكواكب/ الصلاة كتاب موقوت/ الصيام والحج وكذا.


  إن ثقافة أي مجتمع هي التي تحدد في المقام الأول في مدى قدرته على التغيير والتحول والتفاعل.


 كذلك أن الثقافة يجب الإشارة هنا لمفهومها ودلالاتها وقدرتها على قيادة التحولات الاجتماعية، وإن كان للتغيير السياسي والاقتصادي.. الخ كما سبق القول المساهمة الفاعلة في تشكل التحول، لكن مظاهرة - أي التحول- تتجلى في الثقافة، فالثقافة – المفهوم - تعد من المفاهيم الحديثة في الاستخدام العربي لها. فهي كلمة مولدة مشتقة من المعنى المجاز لكلمة Culture، وهي بدورها تعني في الأصل الفلاحة، فمن فلاحة الأرض، إلى تنمية بعض القدرات العقلية بالتدريب والمران ثم لتدل على مجموعة المعارف المكتسبة التي تمكن من تنمية روح النقد والقدرة على الحكم.


  "لقد نقلت الثقافة من زراعة الأرض واستقلال خيراتها إلى تدريب الفكر وجني ثمراته من (نتاج الأرض) إلى (نتاج الفكر) وسرعان ما وقع التأكيد على أن مدلولها في ميدان الفكر. يجب أن ينصرف إلى فعل الإنتاج أكثر من الإلحاح على الإنتاج نفسه، بمعنى أن المقصود منها يجب أن يكون ما يكسبه الفعل من قدرات على التفكير السليم والمحاكمة الصحيحة، بفضل المعارف التي يتلقاها والتجارب التي يخوضها، لا ما يضمه الفكر بين طياته من متنوع المعارف وكثير المعلومات" (مالك بن نبي 1979م ص 43-46).


 بينما الجابري يذهب للمدلول المتغير لا الثابت للثقافة لنشاطها الاجتماعي لا لتفسيرها، وبالتالي الثقافة هنا، لما ينتجه المجتمع في حراكه وكسبه والمجتمع ينتج عندما يتحول، يتغير ويتحرك. وبالطبع تمثل الدراما أكثر تجليات الثقافة حضوراً وتأثيراً.


 
المرتكزات الاجتماعية في السودان الحديث حتى 1940
 فترة الأربعينيات شهدت اكتمال ونضوج الحراك الاجتماعي، الثقافي، خاصة حركات التحرر الوطني، وعالمياً شهدت الفترة التهيؤ للتحول الكبير والخطير على كافة المستويات وظهور عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.


  فالسودان مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين شهد نهاية الدولة الوطنية المهدية ودخول البلاد في عهد الاستعمار الإنجليزي المصري والتي تُعدُّ - أي المهدية – "استمراراً للتقاليد السودانية بشأن إقامة الممالك الوطنية والتي قامت منذ عهد مروي" (محمد عمر بشير ط2 1987م ص22).


  ويمثل العهد الاستعماري تحولاً كبيراً وشاملاً في مختلف مناحي الحياة، خاصة وإن بداياته شهدت أول ظهور قادة سودانيين جدد. بدلاً من رموز الدولة المهدية والتي شهدت في نهاياتها - عهد الخليفة عبدالله تورشين - صراعاً مريراً بين أولاد الغرب وأولاد البحر، تركت جراحاً غائرة تؤججها النخب كلما خبت لترتبط للأسف بالمصالح الذاتية الضيقة والمكاسب الشخصية ليهلك على إثرها النسل والحرث والضرع، وكذلك شهدت ذات الفترة مجاعة (سنة ستة) 1406هـ وتدهور اقتصادي. كل ذلك وغيره أدى على ظهور حلفاء جدد مثل المراغنة "إذ قام مائة جندي على ظهور جمالهم بقيادة المبماشي مكريل وولكنسون بمرافقة السيد على الميرغني من سواكن عن طريق خور بركة إلى الخرطوم" (محمد عمر بشير ص68).

"
كتشنر  خطط  لإنشاء كلية تحمل اسم غردون باشا، الذي عرف في الأوساط الإعلامية الغربية بـ (قتيل الدراويش)، وقد طلب من رجال البر والأعمال بإنجلترا وجميع أجزاء الإمبراطورية التبرع لهذا الغرض
"
  ومرافقة السيد علي الميرغني، وهو زعيم طائفة الختمية المعروف في السودان. تعني ظهور تيار ديني آخر مقابل طائفة الأنصار، وهو ما عرف في السودان السياسي والحزبي بطائفتي الأنصار والختمية، والتفت الإنجليز أول عهدهم للتغيير الثقافي والفكري ومحو آثار الثقافة المهدية ومحاولة خلق مجتمع مدني عصري.  


  وعشية معركة كرري التي أذنت بإنهاء الدولة المهدية خطط كتشنر لإنشاء كلية تحمل اسم غردون باشا، الذي عرف في الأوساط الإعلامية الغربية بـ (قتيل الدراويش)، وقد طلب من رجال البر والأعمال بإنجلترا وجميع أجزاء الإمبراطورية التبرع لهذا الغرض.


 ورد القصر الحاكم في بريطانيا على اللورد كتشنر مثمناً الفكرة في نوفمبر 1898.


"طلب مني أن أعبر لكم عن وجهة نظر حكومة جلالة الملكة فيما يتعلق بالكلية التي ترغبون في تشييدها بالخرطوم، وأي شيء يمكن أن يقال من جانب أي مواطن في هذه البلاد، لا يمكن أن يضيف شيئاً يذكر بالنسبة للملاحظات القيمة التي أبديتها، فيما يتعلق بظروف السودان، ولكن في ما يتعلق بقيمة الرأي الذي تذهبون إليه فإن حكومة جلاله الملكة مقتنعة تماماً بالمشروع الذي أوصيت به والسياسة التي يشكل المشروع فيها جزءاً مهماً.


 وإن التقارب بين الأجناس التي تقطن وادي النيل والحكومة التي يجب أن تقوم مبادئها ووسائلها بالضرورة النهج الغربي يعد إجراءً في غاية الصعوبة، ذلك أن يقوم على حساب موارد أبناء الجيل الحاضر من رجال بريطانيا وأولئك الذين يولدون في المستقبل.


  والطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحقق بها إعادة البناء هي أن نعطي الأجناس التي استعمرتها بريطانيا سبيلاً للاتصال بآداب أوروبا.


لذلك فإن مشروعك لإقامة أداة يمكن بها تلقين المعارف الأوروبية لأهالي وادي النيل، لا يُعد في حد ذاته أمراً يدعو للإعجاب فحسب، بل يمثل السياسة الوحيدة التي يمكن عن طريقها، نشر الحضارة في هذا القطر". (محمد عمر بشير ص 53 -54).


 وكلية غردون وهي النواة لأشهر جامعة في السودان وهي جامعة الخرطوم، وهي المؤسسة التي شكلت طبقة الموظفين والمثقفين بحسبان أن خريجيها من السودانيين مثلوا أبكار الموظفين في الخدمة، ما عرف بعدها في الخدمة المدنية في السودان بطبقة الأفندية، التي بدورها شكلت طبقة الشعراء والأدباء والكتاب والمبدعين إلى حد كبير.


 وموافقة حكومة مملكة بريطانيا على إنشاء كلية غردون، نرى أنها تمثل وثيقة بالغة الأهمية في التاريخ الوطني والاجتماعي والسياسي في السودان، وتمثل كذلك وجهة نظر الحكومة البريطانية والتي تمثل رأي - أبناء الجيل الحاضر، وأولئك الذين يولدون، ذلك الرأي الذي يرى أن الطريق الوحيد الذي يعيد صياغة الإنسان السوداني والخروج به من تخلف - الدراويش- إلى الاتصال بآداب أروربا، وهو الذي ينشر الحضارة على حسب رأي فكرة إنشاء الكلية.


  وهذا النزاع بين الاتصال بين آداب أوروبا، وبين كراهية الدخيل، شكل إلى حد ما فكر الحركة الوطنية السودانية وصراعاتها ومآلاتها وخططها ورؤاها للدولة في السودان.


 وقد يكون شكل كذلك الفصام البين في السلوك والثقافة والتضاد النفسي العنيف بين ما نعتقد على الأقل ظاهرياً. وبينما نمارس في حياتنا الخاصة، إذ ظللنا في حياتنا المعاصرة وخطابنا السياسي والرسمي نهتف سنيناً عديدة ضد الدخيل والمستعمر وعلى المستوى الشخصي نسعى حثيثاً للتعلم بالغرب والسير نحو خططه ورؤاه للتنمية والعمران ومجمل تجليات الحياة المعاصرة ليتسع الشرخ النفسي، ويؤثر إلى حد كبير في مناهجنا في التفكير والحكم والسياسة وحتى الإبداع.


 وتمظهر ذلك أيضاً في بروز التنافس الحاد بين السيد عبدالرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية، ومن ثم الاتحاديين وحزب الأمة وسباقهم المحموم على كسب المثقفين والمتعلمين، هذا الصراع وطرق التفكير والتلقي والتعلم عند المثقف السوداني جعلت تحليل كثير من الإنجليز تحمل آراءً سالبة وقاسية للجيل المتعلم من أهل السودان، فنجد مثلاً أن السير هارلد ماكمايكل قدم وصفاً سيئاً للمثقف السوداني، متهماً إياه بالقصور في الفهم والمبالغة في الوهم وغرور يدفع بصاحبه إلى أسوأ النتائج. ويمضي ماكمايكل في القول "بالرغم أن تعلم اللغة الإنجليزية فتح أمام المتعلمين آفاقاً واسعة ومنوعة من الآداب، إلا أن تلك الآراء والأفكار لم تهضم وقد انعدمت ملكة النقد، التي تشذب الأفكار وتحفظ التوازن وذلك بفقدان الدراسة التاريخية والأسس الثقافية التي تساعد على تقديم النزوع للتعميم وسوء الظن في نيات الآخرين، هذا الجيل يشعر بقلق فكري، يستمد الوحي من النهضات المعاصرة. وهي نزعة فكرية في أسوأ حالاتها نوع من الحسد وفي أحسن أوضاعها شعور بالطموح البالغ من الخيال، والشباب يتصور نفسه في حلم أخاذ، عضواً وزعيماً مرتقباً لمجتمع مستنير، وما هو في الواقع غير موظف صغير بمرتب بسيط ولد في وسط اجتماعي بدائي يحتقره، ومقيد في حياته المنزلية بأغلال عادات عقيمة، وشاعر في غرارة نفسه أن ثقافته قشور وأحلام صحوة أوهام. وليخفف على نفسه شعوره بالتبعية يلجأ إلى اختراع خرافة عن ماضٍ وطني مجيد، ويرى في نفسه بطل بعث أكثر عظمة. ولكنه لا يستطيع أن يفصل مصلحة البلاد عن منافعة الشخصية المباشرة" (محمد أحمد المحجوب 2005 ص 58).


 إن وجهة نظر ماكمايكل هذه وإن كانت تمثل وجهه نظر المستعمر لأهل البلد. لأبد من انتشالهم من وهدة التخلف إلى اللحاق بآداب أوروبا، كما ورد في الحديث عن إنشاء كلية غردون. لكن وجهه النظر هذه تمثل أيضاً إضاءات مهمة في توجيهات وتحولات النخبة المثقفة (الأنتلجنسيا) ومدى مقدرتهم على إدارة الشأن السوداني، سياسياً واجتماعياً وثقافياً. ولعل الفشل الذي لازم التجارب السودانية قد يكون سببه هو جزء من رأي ماكمايكل في المثقف الذي يجيد وضع الخطط والبرامج، ويجيد كذلك المقدرة على إفشالها وسوء تنفيذها. ولعل الانكسارات التي لازمت مسيرة الدراما السودانية وارتباطها بمجهود الأفراد لا المؤسسات وبالحاجة الآنية لا الاستراتيجية والوطنية مرده إلى بنية المثقف ومرتكزاته.


 من المحطات المهمة في مسيرة التحولات السياسية والاجتماعية في السودان ثورة 1924 وما أعقبها من نتائج، فذات الطبقة المتعلمة التي من أجلها أنشأ التعليم الرسمي في السودان، هي التي قادت ثورة 1924، بعد نجاحها أعلن عن ميلاد علاقة جديدة بين المثقف وبين المستعمر، وولدت كذلك خيبة أمل كبيرة في أوساط المثقفين المتعلمين، سياسياً، لكنها أسدت فائدة كبيرة لحركة الأدب والثقافة والتعليم وبداية التفكير الجاد في وسائط أكثر فاعلية لرفع الوعي لدى المواطن السوداني وأهمها التعليم، الذي لابد له من دعم، وذلك بعدة سبل من بينها اللجوء للثقافة متمثلة في المسرح حينها.


 وقد أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية (1929) في حركة التعليم والتوظيف الرسميين، ولكنها أيضاً فتحت المجال أمام محاولات التعليم الأهلي. ويمثل تولي ستيوارت 1934 حاكماً عاماً للسودان مرحلة أخرى من مراحل التحول وتطور العلاقة ما بين المثقفين والسلطة الحاكمة، فاستيوارت يرى ضرورة "تأسيس إدارة عاملة وفي الاعتبار الأول متقدمة، ليس بالتعاون مع السلطات القبلية بل التعاون مع الأنتلجنسيا السودانية، فلم تكن الأنتلجنسيا أبداً هدامة وثائرة" (محمد عمر بشير ص161).


وتمثل هذه المرحلة مرحلة (الثلاثينيات) هجرة المثقف من حقوله الأساسية، إلى السياسة بحسبانها أقصر الطرق لتحقيق الأهداف، فالثقافة كما هو معلوم تتحرك من الإنساني (الكوني) إلى الخاص (اليومي) والتغيير، للأجمل، للأحسن والأفضل.. قد يحقق مراده بعد عدة أجيال، لكن يظل تغييراً منتخباً وفاعلاً يؤسس نفسه على قواعد منطقية وراسخة من القيم الجمالية والأخلاقية، فبعد ما رفد الحركة الثقافية والدرامية، بكفاءات ورموز اجتماعية فاعلة، ترك هؤلاء أمر الأدب والثقافة والمسرح والتحقوا بالأحزاب وأندية الخريجين لتدخل الحركة الوطنية مرحلة أخرى، بازدهار الشعر وأدب الخطابة، والتكتلات السياسية خاصة بعد تشجيع الإدارة البريطانية حسب خطة استيوارت على استمالة السيد عبدالرحمن المهدي الذي لعب دوراً في تشجيع الأدب والثقافة، ودعمه اقتصادياً، حتى أن مجلة الفجر، وهي المجلة الثقافية والأدبية الوحيدة حينها ذهبت للقول "إن للسيد عبدالرحمن المهدي قدرات هائلة على إدارة البلاد سياسياً وثقافياً" (يحيى الفضلي ص265).


 ومن ثم بدأت الجمعيات الأدبية والثقافية في الإنشاء وزاد الوعي القومي، رغم تحريم السلطات لكلمة سوداني واستخدام اسم القبيلة التي ينتمي إليها الشخص بدلاً عنها*.
وبعد تضييق الخناق على النشاط السياسي المباشر، لجأ المتعلمون إلى تلك الجمعيات وشهد العام 1927 قيام أول جمعية "إن هذه الجمعية رئيسها الحاكم العام وأنا نائب الرئيس وإنها جمعية أدبية فحسب" يحيى الفضلي ص202.


 وكان لعودة إسماعيل الأزهري، أول رئيس عقب الاستقلال، الذي يمثل واحداً من الرموز الوطنية التي تجد الرضا والتقدير من شرائح واسعة من المجتمع ويكاد يجمع الناس على وطنيته وسعيه للاستقلال. كان بعودته من بعثته في الجامعة الأميركية ببيروت أثره الكبير في إنعاش تلك الجمعيات والخروج بها إلى آفاق أوسع. فقد تولى الجمعية الأدبية في كلية غردون رغم تخصصه في الرياضيات وله اهتمام بالموسيقى.


 إن الأزهري قد يكون تأثر بدراسته ببيروت، خاصة وأن لبنان والشام عموماً تمثل المركز العربي الذي بدأت منه الفنون المرئية الحديثة، وعلى رأسها المسرح، كما أنها كانت مركزاً مهماً للطباعة والنشر.


 والدارس لكتابات محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء بعد الاستقلال، وحواراته الجادة فيما عرف في أدبيات التاريخ الثقافي في السودان بصراع القديم والجديد، وكذلك مقالات عرفات محمد عبدالله وكُتَّاب مجلتي الفجر والنهضة ومذكرات خضر حمد وديوان التجاني يوسف بشير وتجديد الشاعر والناقد حمزة الملك طمبل، وغيرهم من كتاب ومثقفي تلك الفترة في التاريخ الاجتماعي والثقافي السوداني، إن فشل ثورة 1924 - برأي هؤلاء المثقفين - يرجع في الأساس لضعف الوعي لدى المواطن السوداني. وبالتالي لابد من الالتفات للتعليم والحراك الثقافي والأدبي. وضعف الوعي يفسره هؤلاء الكتاب في انعدام الوعي الثقافي والمعرفة العميقة بمكونات الثقافة السودانية، وهذا الرأي لو استقر لكان للسودان شأن آخر، لكننا دائماً نستعجل النتائج. وفي كتابات هؤلاء ومرجعياتهم ترجع في الأساس للتجربة والمران والقراءة الواسعة لمحترفي النقد الأدبي في مصر. كالعقاد في البلاغ الأسبوعي وإسماعيل مظهر في المصور وأحمد حسن الزيات في الرسالة، والعقاد كما وصفه المحجوب بأنه كان مرشدهم في بيداء تلك الحياة الشائكة، وتمثل زيارته للسودان التي ذكرها حسن نجيلة في كتابه ملامح من المجتمع السوداني. مدى تأثر أهل الشأن الثقافي في السودان به، كما تابع مثقفو أهل السودان الجدل الفلسفي بين طه حسين وهيكل، كما ازداد بيع الصحف والمجلات المصرية في العاصمة المثلثة، وتداول الناس كتابات أحمد أمين فجر وضحى الإسلام وكتب التراث العربي عامة ورواية الشعر، كما صاحب ذلك اطلاع واسع على الثقافة العربية والإنجليزية، مباشرة أو عبر التراجم، وكذلك ظهور نزعات مثالية، ولعل القارئ لشعر التجاني يلحظ الإكثار من التحدث عن الحق والخير والجمال، لدرجة تصادمه مع المؤسسة الدينية.


  واشتهرت في تلك المدة جمعيتان أثرتا في الثقافة كثيراً وهما جمعيتا الهاشماب وأبو روف ونفرد لهم حيزاً في هذه الدراسة لتأثيرهما الكبير في الحراك الثقافي عامة.


جمعية الهاشماب
 اتخذت اسمها من حي الهاشماب بأم درمان، وتتميز هذه الجمعية أن من بين مؤسسيها من اشتهرت أسماؤهم في تاريخ الحركة الثقافية في السودان ومنهم من أسس مجلة الفجر. ونلاحظ أن هؤلاء المؤسسين يمثلون بواكير التمرد على السائد خاصة المؤسسة الدينية التقلدية والعشائر، وساهموا كذلك في الانفتاح الكبير على الثقافة العالمية متجاوزين التأثر المباشر بالثقافة المصرية، ويمكن القول إنه البداية الفعلية كذلك للتيار العريض الذي ظهر مطالع السبعينيات من القرن العشرين. ومن بين هؤلاء المؤسسين (الأخوان عبدالله ومحمد عشري الصديق ومحمد أحمد محجوب، ومعاوية نور ويوسف التني وعبدالحليم محمد ويوسف المأمون وعرفات محمد عبدالله وأحمد يوسف هاشم والسيد الفيل وآخرون) (قاسم على نور 2004م ص35).


 تأثرت جماعة الهاشماب بكتابات المصري سلامة موسى الذي خاض بدوره صراعاً مشهوداً مع المؤسسة التقليدية، واشتهر بدفاعه عن المرأة وحقها في المساواة والعمل، مما أدخله في إشكالات عديدة خاصة مع الأزهر. ولهم قراءات كذلك لآداب أوروبا وأفكار الفلاسفة والتيارات الجديدة والمدارس الفكرية المعاصرة في العالم الغربي، وقد أثارت علاقاتهم مع إدوارد عطية الموظف بقلم الاستخبارات، الكثير من انتقاد خصومهم ومنافسيهم لدرجة اتهامهم بالعمالة، ولاسيما أن الجمعية نادت بالقضاء على السلطات القبلية ومحاربة الحزبية والطائفية ومقاومة الإدارة الأهلية وتقليص سلطات زعماء القبائل والعشائر والعمد والمشايخ. وأن هناك ملاحظة مهمة، مفادها أن أفكار وتوجهات حكومة مايو في نهاية حقبة الستينيات من القرن الماضي التي حكمت السودان إثر انقلاب عسكري قادة العقيد حينها جعفر محمد نميري، تتفق إلى حد ما مع أفكار هؤلاء، بل وطبقتها واقعاً في مشروعها السياسي من حل الأحزاب والإدارة الأهلية وغيرها، والملاحظة الأخرى أن معظم قادة الجمعية اشتهروا وعلى غير عادة رموز التغيير في السودان، بتوثيق تجاربهم وإنتاجهم الفكري والإبداعي، وتحتفظ المكتبة السودانية بمؤلفات لمعظمهم. وهي مؤلفات تمثل مرجعاً مهماً في رصد وتوثيق التحولات السياسية والفكرية التي شاهدها السودان.


جمعية أبو روف
تضم كذلك أبناء حي أبو روف وهم من تخرجوا من كلية غردون ونشأت لـ (أغراض أدبية واجتماعية وسياسية) (خضر حمد المذكرات ص 29). وقد جرى العرف في أن يتنادى الأعضاء في الأسبوع مرتين في منزل أحد الأصدقاء لتدارس كتاب عربي أو إنجليزي ومن ثم يدور الحوار والتناقش حوله "وقد أطلق البعض عليهم لفظ الفابيين لنزعتهم الاشتراكية والأدبية وكانوا مشتركين كأعضاء في نادي Left back clip بلندن فكان يزودهم شهرياً بالمجلات والكتب التي يصدرها. فقرأوا عن النقابات والاتحادات والحريات العامة ولقد كانوا أول من قرأ عن الشيوعية قراءة صحيحة واتصلوا بالمكتبات الخاصة بها" (قاسم نور ص32).


 ومما يحمد (للأبروفيين) مساهمتهم في إثراء الحركة المسرحية، وذلك بتسخير المسرح لجمع الأموال لصالح التعليم (معهد القرش الصناعي وأم درمان الأهلية) وعرفوا بعلاقاتهم الوطيدة بمصر رغم نزعتهم الاشتراكية. وبالتالي توثيق علاقاتهم بطائفة الختمية واستنصر بهم السيد الميرغني في صراعه مع عبدالرحمن المهدي وطائفة الأنصار. وكانوا أعضاءً مؤسسين في الحزب الاتحادي أحد أكبر حزبين في التاريخ السياسي السوداني الحديث.


المقاهي والأندية
 وهنا لأبد من الإشارة لمقاهي أم درمان وأثرها الكبير في تشكيل وعي ومفاهيم المثقف السوداني الذي أثر بدوره في مجمل الحياة الثقافية والسياسية بعدئذ في السودان، وكذلك رفدها الحراك الثقافي الفني بنشاط مؤثر، وكذلك شهدت هذه الفترة أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي النشاط المكثف لنادي الخريجين*.

"
 "السينما أضافت بصورة عامة لذوق السودانيين، وخاصة طريقة هندامهم، فظهرت ربطات العنق الأنيقة والجاكيتات وعرف نجوم المجتمع من الفنانين وغيرهم بيوت الأزياء العالمية" (إنعام عامر ص40)
"
"ولا يخفي على أحد أن المقاهي في ثلاثينيات القرن الماضي الأثر الواضح في اكتشاف المبدعين من الفنانين أمثال الفنان إبراهيم عوض، وكان لها الأثر الكبير في نشر أغنية الحقيبة، فقد كانت ميكرفونات (الفونغرافات) بتلك المقاهي تصدح بأغاني الحقيبة وأسطوانات سرور وكرومة وزنقار وعائشة الفلاتية" (أنعام عامر 2005م ص40).


 وتمثل أغنية الحقيبة في هذه الفترة مرجعاً مهماً ومرآة للمجتمع وتحولاته وحراكه الاجتماعي.


 وكان لدور السينما الأثر الأبرز في التأثير بثقافات ومظاهر اجتماعية وافدة فكانت تعرض الأفلام الروائية المصرية وأفلام الكابوي الأميركية "السينما أضافت بصورة عامة لذوق السودانيين، وخاصة طريقة هندامهم، فظهرت ربطات العنق الأنيقة والجاكيتات وعرف نجوم المجتمع من الفنانين وغيرهم بيوت الأزياء العالمية" (إنعام عامر ص40).


 ورموز المجتمع من الفنانين خاصة تأثر بهم الشباب في طريقة اللبس وتسريحة الشعر، وغير ذلك.


 ومثل مقهى جورج مشرقي ملتقىً مهماً للأدباء والفنانين.


 وشهدت الفترة بروز نجم فريقي الهلال والمريخ، وكذلك نادي الموردة. وتأثرت هذه الفترة كذلك بحركات التغيير العالمية، مجال حقوق المرأة والحريات العامة. وشهدت كذلك فتور أفكار التغيير بالقوة، ولجأ أبكار الحركة الوطنية للشعر والمسرح والتعليم بدلاً من النشاط العسكري المباشر.


 وكان للأثر الكبير للحرب العالمية الثانية في مجمل التحولات الفكرية والسياسية في العالم مدخلاً لتحولات فارقة في السودان، وكذلك نضوج أفكار الأحزاب وتحديد الخيارات ودخول منافسين جدد ومؤثرين ممثلين في الفكر اليساري عموماً والحزب الشيوعي خاصة، وكذلك حركات الإسلام السياسي ويمثل الإخوان المسلمون بمختلف مسمياتهم وجهه البارز، وكل هؤلاء تأثر بهم المجتمع في تكتلاته وثقافاته وحروبه وسلمه كذلك، وبالتالي استجاب المبدعون وكتاباتهم لشروط وملامح تلك الفترة.


 وفي أواخر الأربعينيات سقط الستار الحديدي المضروب على جنوب السودان، ثم إلغاء قانون المناطق المقفولة، وأيضاً كان لقيام ثورة يوليو 1952 بمصر أثر على الأوضاع بالسودان.
  وبعد استقلال السودان والذي تم وكأنه انتقال سلمي للسلطة. دخل السودان في أولى مراحل الحزبية أو ما عرف بالديمقراطية الأولى.


 وشهدت أيضاً الفترة تجاذباً حاداً في الأفكار والآيدلوجيات "كان كثير من أبناء السودان يعادي السياسة الأميركية ونظرية إيزنهاور وينعطف نحو التيارات العربية السياسية التي يمثلها جمال عبدالناصر وميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحواراني، واقترن التيار السوداني بالفكر العربي الحديث" (محجوب عمر باشري 2000م ص147)
 والفكر العربي عموماً في هذه الفترة أصبح متأثراً بتيارات رئيسية تمثلت "في التيار الليبرالي ذي النزوع القومي والتيار الإسلامي والتيار الماركسي والتيار القومي العربي" (محمد أحمد الزغبي 2007 م ص61).


 ولم تدم المدة الديمقراطية عقب الاستقلال سوى عامين ليستقبل السودان ما عرف في تاريخه السياسي دوامة الأحزاب والعسكر. فالشد السياسي والتجاذب الحزبي أديا إلى تسليم السلطة للعسكر بقيادة الفريق عبود، ليتم تأميم الصحف، ورغم عسكريتها التي يسميها البعض بالديكتاتورية، إلا أن مرحلة عبود شهدت تنمية وتأسيس لبنى تحتية "من قيام لخزان خشم القربة والمرحلة الأولى من خزان الروصيرص وأسمنت ربك وعطبرة ومصانع السكر وتعليب الفاكهة وتمددت طرق الإسفلت وخطوط السكة حديد وإرسال الطلاب للدراسة بالخارج وزاد عدد المدارس بشكل ملحوظ" (عمر باشري ص154).


 وتمت إزاحة عبود بانتفاضة مدنية عرفت بثورة أكتوبر (21 أكتوبر 1964) لتشهد مشاركة فاعلة من المثقفين والمفكرين والشعراء والتغني للشعب وبطولاته وملاحمه، فكان محمد وردي ومحمد الأمين. وظهر جيل المغنين الكبار الذين لا يزال تأثيرهم واضحاً في خارطة الغناء السوداني وتزامن معهم جيل الشعراء جيلي عبدالرحمن والحسين الحسن وتاج السر الحسن ومحمد مفتاح الفيتوري وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم ومحجوب شريف وهاشم صديق وغيرهم.


 وظهرت المدارس الفنية في الشعر والمسرح والتشكيل المتأثرة عربياً بعصر ما بعد نكسة 1967م، من رمزية خاصة في الشعر والدراما، على يد يوسف عيدابي ويوسف خليل وغيرهم.
 وظهرت كذلك واحدة من أهم التيارات المتمثلة في تيار الغابة والصحراء، التي تشكل مع آخرين تتويجاً لسؤال الهوية الملح، خاصة بعد تطورات في الجنوب وأنانيا، وتمردها وكتابات آدم خاطر وإبراهيم إسحق وفضيلي جماع وعالم عباس وغيرهم من مثقفي ومفكري غرب السودان، الذين تمثل كتاباتهم - إلى حد كبير - وقوداً لأسئلة وصراع الهوية والمركز والهامش القديم المتجدد، وتتعقد مشاريع الحوار الثقافي بعد أن تلفحت بعباءة النظرة السياسية الضيقة، فالمركز أصبح يمثل - في خطأ استراتيجي فادح - هيمنة الشمال وثقافته والهامش يمثل البعد الإثني في أقاصي الغرب والنيل الأزرق وجبال النوبة، وذلك التعقيد ومن وجهة نظر الدارس سيعاني منه الجميع ولأزمان قد تطول.


وتمظهر الآيدلوجية المتأثرة بالمحيط الإقليمي والعالمي مثل جبهة الميثاق الإسلامي والتي تمثل امتداداً لحركة الإخوان المسلمين المتأثرة بالحركة الأم في مصر وأفكار حسن البنا وسيد قطب، وأيضاً تمدد الحزب الشيوعي وسط الطلاب والعمال، وبالتالي إضراباتهم المتكررة. ولعل التجاذب الآيدلوجي الحاد وتفجر أسئلة الهوية وصراعات المركز والهامش السابق ذكرها، ولدت تيارات مهمة أثرت كثيراً في بنية المثقف السوداني ومآلات تفكيره ومشاريعه من شعر وتشكيل ودراما وغناء، ويمثل تيار الغابة والصحراء الذي ظهر في العام 1963 واحداً من أهمها، فمحمد المكي إبراهيم أحد رواد ومؤسس التيار يذكر "أنه التقى محمد عبدالحي ويوسف عيدابي واتفقا على تأسيس اتجاه في الشعر. بعدها دخلت الجامعة في إضراب وطلب مني محمد عبدالحي الاستقرار معه في منزل جدته بالخرطوم، مكثنا شهر وكان هذا الشهر هو الميلاد الحقيقي لتيار الغابة والصحراء. وحدث تجاوباً كبيراً من محمد عبدالحي إذ استطاع أن يرى بعين الشاعر عذابات الهوية" محمد المكي إبراهيم 2008 ص76. ولعل عبارة (عذابات الهوية) ومحمولاتها الشعرية وتماسها مع الخط السياسي، قد تكون سنداً للرأي القائل بتأثر وتأثير المبدعين- خاصة الشعراء- بالقضية السياسية وإلباسها أبعاداً آيدلوجية تستجيب ووعيهم المكتسب عبر القراءة والإطلاع، والمتأثر أيضاً بالمحيطيْن الإقليمي والعالمي. وقد يكون هذا المنحى أكسب الأحزاب العقائدية - رغم محدودية منتسبيها - تأثيرها الفاعل في مجرى الأحداث والتغييرات السياسية والفكرية، وفي ذات الوقت انعزالها عن بعدها الشعبي. فحدثت هوة كبيرة ما بين آمال وأفكار وطموحات (الأنتلجنسيا) وما بين الحياة اليومية ومتطلبات العيش الملحة. وقد يكون هذا الرأي القابل للحوار بالطبع واحد من معضلات أساسية وجوهرية يعاني منها السودان حتى اليوم.. وأعني به الفصام المتجذر ما بين التفكير والتخطيط والبرامج، وما بين التنفيذ والواقع.


 ومن ناحية أخرى بدأت الخارطة السكانية تتغير بتمدد المدن وظهور مدن جديدة وامتدادات حديثة في الخرطوم وتعددت الصحف واتسعت التغطية الإذاعية وبداية البث التلفزيوني قبيل ثورة أكتوبر. وتعاظم الاتصال بالعالم الخارجي وازداد عدد الطلاب في مصر وغيرها، وشهدت تلك الفترة، الدور الكبير لدور السينما واستقرت على صفحات الصحف عبارة أين تسهر هذا المساء؟ وتبع ذلك أنماط سلوكية وحياتية مغايرة للسائد، وعلى مستوى المسرح، انتظمت المواسم المسرحية على يد الفكي عبدالرحمن بالمسرح القومي.


 إن هذه الفترة قد مهدت للتحولات الكبرى في فترة السبعينيات التي شكلت السودان بملامحه الراهنة.


فترة السبعينيات
 يُعدُّ انقلاب مايو 1969م أهم بدايات تلك الفترة. وشهدت بداياتها تحولات دامية بعد محاولة هاشم العطا الانقلابية التي اتهم فيها الحزب الشيوعي وراح ضحية ذلك عدد من قيادات الحزب ومفكريه. النميري وبعد تصفية قيادات الحزب الشيوعي واليسار التي قام قبلها بتصفية اليمين كذلك بضرب الجزيرة أبا 1970. ومن ثم اتفاقية أديس أبابا في 3 مارس 1972مع المتمردين بجنوب السودان، وبعدها حكم النميري بصورة منفردة وحسم الصراع على السلطة باستثناء حركات متفرقة أهمها ما عرف بانقلاب حسن حسين وحركة شعبان، التي أشعل فتيلها الطلاب الإسلاميون بجامعة الخرطوم وحلفاؤهم. ويرى البوني كذلك أن النميري وأركان حكمة لم يُعرَف عنهم الانتماء الآيدلوجي على الأقل بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي، واستقرار نظام مايو أمنياً على الأقل، ساعد ذلك المناخ على نمو وتشكل الحوار الثقافي والاجتماعي.

"
يرى البوني أن النميري وأركان حكمة لم يُعرَف عنهم الانتماء الآيدلوجي على الأقل بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي، واستقرار نظام مايو أمنياً على الأقل، ساعد ذلك المناخ على نمو وتشكل الحوار الثقافي والاجتماعي
"
 والملاحظ أن هذه الفترة شهدت وضعاً أشبه بما حدث عقب قمع ثورة 1924، إذ انصرف المثقفون عموماً إلى القراءة والأدب وتنمية الوعي لدى المواطن.


فالقارئ لصحيفتي الأيام والصحافة مطلع السبعينيات يلحظ النشاط الكثيف للملاحق والحوارات الثقافية*.


 فظهرت أسماء علي المك وخلف الله حسن فضل ويس عمر الإمام وكمال الجزولي وعيسى الحلو وكتابات مصطفى سند وأشعاره، وكذلك أسماء استمرت في الكتابة والحوار حول الأدب والثقافة والدراما والشعر، عبدالله علي إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم، وخالد المبارك ويوسف خليل وغيرهم.


 ويعضد هذا المنحى الراحل محمد إبراهيم نقد. (محمد ابراهيم نقد 2007م) سكرتير الحزب الشيوعي بتأكيده بأن حزبهم انصرف عن الانقلاب نهائياً عقب انقلاب هاشم العطا. ولعل أن هذا القرار أفاد الحراك الثقافي والاجتماعي كثيراً، فانصراف مفكري ومتفقي الحزب عن الشأن السياسي المباشر جعلهم يلجأون للشأن الثقافي والاجتماعي، فتعمق الحوار وبرزت أسئلة الهوية، وشهدت صفحات الصحف سجالاً ما بين اليسار عموماً واليمين ممثلاً إلى حد ما في كتابات الإسلاميين وظهر جيل من التيار الوسط المتبني للثقافة في مفاهيمها السودانية، ويمثل الراحل أحمد الطيب زين العابدين وعموده الصحفي الشهير (منظور سودانوي) دليلاً على ذلك.


 والمتابع لأشعار تلك الفترة، يلحظ مدى التحولات والأفكار، خاصة في مجال الشعر الغنائي عند الدوش والتجاني سعيد وهاشم صديق وغيرهم وتغير المفهوم السائد عن نظرة غناء الحقيبة عن المرأة، والتغني بماديات ومحسوسات الجسد إلى غناء محمل بالرموز والدلالات، وأصبحت المرأة في كثير من الأشعار تعني الوطن والفكرة، والملاحظة الأخرى للتحولات في مطلع السبعينيات بروز ما عرف بتيار الاغتراب، إذ أصبحت منطقة الخليج منطقة جذب بعد اكتمال تدفق البترول، وأصبح السعي للاغتراب منحىً ظاهراً. أما من تيار المعارضة خاصاً الإسلاميين وأما للسعي لكسب المادي المباشر، وتزامن مع الاغتراب تزايد النمط الاستهلاكي والثراء المفاجئ، مما كان له الأثر الكبير في عدة مجالات، والمتتبع لأغاني البنات يلحظ ذلك جيداً "وبتأثر الاغتراب والبعثات المتتالية لضباط الجيش ظهرت ما عرف بمدن الدرجة الأولى. وخير مثال لها مدينة النيل والرياض والمنشية" (محمد عبدالحي 2005م)، فتكونت على أثر ذلك طبقة تكاد تكون جديدة لها ثقافتها وعاداتها المدنية، وكذلك طريقة لبسها وغير ذلك.


 وشهد النصف الثاني من السبعينيات تحولات مهمة أبرزها في ما عرف بالمصالحة الوطنية بين حكومة مايو وأحزاب الجبهة الوطنية، وأبرز رموزها الصادق المهدي وحسن الترابي. بعدها احتدم الصراع الفكري بين رموز وكتاب الإسلاميين وزعيمهم حسن الترابي وتجاربهم، فيما عرف بأسلمة الاقتصاد وتجربة بنك فيصل الإسلامي. وبنايته المميزة آنئذٍ (الفيحاء) وبين رموز مايو واليسار عموماً. خاصة بعد ميل النميري للتوجه الإسلامي وقوانين مهدي مصطفى الهادي محافظ الخرطوم حينها بمدنها الثلاث في تحريم التوتو كورة وتحريم الخمر والميسر ومنازل الدعارة التي حفظتها الذاكرة الشعبية السودانية تحت مسمى (البيوت) وغير ذلك، والتي توجت بعد ذلك بما عرف بقوانين الشريعة أو قوانين سبتمبر، على حسب توجه ورأي قائلها.


 ويرى أ.د البوني (بروفيسور البوني 2007م) أن هناك إشارات مهمة أثر التحولات في السبعينيات تمثلت في الحوار الديني المتعمق والفقهي على مستوى حركة الجمهوريين *، بقيادة محمود محمد طه وتأثر كثير من المفكرين والمثقفين بها. وعلى مستوى الحوار الفكري والنقاش ما بين منصور خالد وعبدالجبار المبارك والحوار الصوفي- السلفي- العلماني وهذه التيارات لم يعرف لها مسعى مباشر للسلطة وترك لها نظام مايو الفرصة لكي تنمو وتتطور.


  إن السلم التعليمي بقيادة محيي الدين صابر الذي بموجبه ارتفع الفاقد التربوي من رابعة إلى الصف السادس أحدث تحولات مهمة على جانب العملية التعليمية، وظهور العامل الحرفي من عمال ميكانيكا وعمال البناء وغيرهم من الذين ارتفع مستوى التعليم عندهم وزيادة فاعلية نقابات العمال، وخير مثال عمال نقابة السكة حديد بعطبرة الذين لعبوا دوراً معروفاً في الإضرابات المتعددة التي واجهت حكم الرئيس نميري.


وختاماً يرى الدارس أن تلك المرتكزات الفكرية والجتماعية توجت بفترة السبعينيات في حراكها الثقافي الكثيف والمتعمق التي مثلت فترة النضج للسودان الحديث ثقافياً على الأقل، اكتملت فيه التجارب، وكذلك الأسئلة بكل نجاحاتها وانكساراتها، ولعل ظهور جيل من كتاب الدراما وانتظام المواسم المسرحية وارتباط التأليف المسرحي والدرامي عموماً بالشعر – مثل تجارب الدوش وهاشم صديق وسعد الدين إبراهيم وعز الدين هلالي والطيب المهدي وعثمان جمال الدين وعثمان البدوي ومن ثم قاسم أبوزيد وجمال حسن سعيد وغيرهم، صبغ ذلك المنتوج بصبغة التحولات المتوالية والعنيفة أحياناً التي شهدها السودان الحديث، واللافت للدراسة والتحليل أن كُتاباً ومفكرين بذاك التأثر وبتلك المؤهلات لم يكتب لهم الدور المباشر في صناعة الأحداث اليومية ومآلاتها، التي أضحت نهباً للتجريب ولأفكار لم تلتفت للمكون الثقافي للمجتمع السوداني، لتبدأ رحلة النظر في الحلول متأثرة بالطبع بالمحيط الإقليمي والعالمي، وأكبر التحديات من وجهة نظرنا أن المعضلة التاريخية في تماس الثقافي مع محيطه السياسي لم يتم التحاور حولها بشكل جذري وحاسم لتصبح كثيراً من القضايا الملحة نهباً للمعالجات الضيقة والآنية والعجولة، فالمجتمع بالطبع ومن طبيعة أقداره الكونية لا يستجيب للتغيرات القهرية ولا الغريبة على مكوناته ومرتكزاته، وألا نفق لا يعلم إلا الله مآلاته.

قائمة بأهم المصادر والمراجع
القرآن الكريم
1- إنعام عامر، سوق أم درمان يحكي قصة مدينة وعراقة شعب أغسطس2005
2- ارثر ابرا برجر النقد الثقافي. تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية. ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي المجلس الأعلى للثقافة مصر2003م
3- يوسف فضل حسن، الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، ط4 1992

4- يحيى الفضلى. الفجر المجلد الثالث، العدد التاسع
 5- يحيى الفضلى، مقابلات الجزء الثالث.
6- يمني العيد: الراوي الموقع والشكل مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان مالك بن نبي شروط النهضة، ترجمة كمال مقساوي وآخرين. بيروت. دار الفكر 1979،
7- محجوب عمر باشري، معالم تاريخ السودان، الدار السودانية للكتب 2000،
8- مهدي عامل. مقدمات نظرية دار الفارابي بيروت 1973م
9- محمد إبراهيم نقد، في حوارات مع ضياء الدين بلال، صحيفة الرأي العام مايو 2007.
10- محمد أحمد الزعبي. مدخل منهجي لدراسة الفكر الاجتماعي الحديث مقال مجلة المستقبل العربي العدد 346
11- محمد أحمد المحجوب، موت الدنيا، منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، 2005، طبعة خاصة
12- محمد المكي إبراهيم، في ذكرn الغابة والصحراء، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي أم درمان، 2008.
13- لواء محمد عبدالحي الرئيس السابق لبيت الثقافة ومدير الأطراف الصناعية وكذلك الحاكم الأسبق للإقليم الأوسط. حوار أجراه معه الدارس في 23/7/2005.
14- بروفيسور محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900- 1969، دار الجيل بيروت ط2 1987
15- بروفيسور عبداللطيف عبدالبوني، حوار مكتوب بمكاتب صحيفة الرأي العام الخرطوم في 22/5/2007.
16- عبدالله إبراهيم الطاهر. بيليوغرافيا الصحافة السودانية في قرن، ط2 المجلس القومي للصحف الخرطوم 2000م
17- عبدالرحمن عزي، الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية، الجزائر، دار الأمة 1995
18- د. قاسم عثمان نور، أضواء على الحركة الوطنية السودانية، وزارة الثقافة الخرطوم 2004
19- د. صلاح الدين على الشامي. السودان دراسة جغرافية. والمعارف الإسكندرية. ط2 2000م
خضر حمد.. المذكرات.

مستخلص الدراسة
الفرضية الأساسية التي حاول الدارس إثباتها أن المتغيرات والتحولات الاجتماعية والفكرية في السودان الحديث بدءاً من مطالع القرن الـ 20 وبداية الاستعمار الإنجليزي المصري التي تشكل على إثرها السودان الحديث بحدوده الجغرافية التي عرف بها، تلك التحولات أثرت في بنية وتفكير المثقف السوداني ومنتوجه الإبداعي ولاسيما الدراما – المسرح وكذلك مدى مساهمته في الحياة السودانية حاضرها ومستقبلها

Extract study
The basic premise and tried to students proved that changes and transformations of social and intellectual in Sudan talk from insiders of the twentieth century and the beginning of the colonial English Egyptian and that form on the track Sudan talk Geographical boundaries
knew them - these transformations affected the structure and thinking educated Sudanese and his product creative, especially drama - theater, as well as the extent of its contribution to the life Sudanese present and future

مفردات الورقة
السودان: دولة السودان بحدودها الجغرافية المعروفة
المثقف: المتعلم المهتم بالثقافة وتجلياتها من إبداع فني وفكري والمعني به في الدراسة المهتم والممارس للدراما على وجه الخصوص.

E هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."