آخر تحديث للموقع :20:03


عُنف مسرح العالم: ميثيولوجيا أم آيديلوجيا؟

إعداد: راشد مصطفى بخيت
ناقد وكاتب وباحث وأستاذ جامعي
"أطمح إلى طرح مسألة الثورة بصورة شاملة، وأرى أن الماركسيَّة غير كافية لإنجاز تصوُّر شامل للثورة... فإذا بقيت الثورة الماركسيَّة جزئيَّة، ولم تعُد سوى رد فعل بدل أن تكون حركة جديدة، فلأنها ما زالت أيضاً منتمية للباثولوجيا الغربيَّة، ولم تستطع تجاوز التقسيم مادة / روح. وعلى الرغم من اجتماعيَّتها، فإنَّها لم تستطع توسيع مفهوم الفرد، بل حاولت طمسه تحت ضغط الطبقة العاملة".
"آنتونين آرتو".


 (1): ميثيولوجيا أم آيديلوجيا؟ علم أم فن؟
      يُقاس أثر الآيديولوجيا بمدى فاعليَّتها بين البشر في لحظة محدَّدة من تاريخ العالم. يعلن ظهورها عن حالة قطيعة معرفيَّة حادثة بين زمنين، هما زمن الحلم وزمن تحوُّله إلى كابوس دامي أمام مشهد التاريخ. إنَّها فلسفة مُعرَّفة تعريفاً قطعي الدلالة، و"أي فلسفة مُعرَّفة تعريفاً قطعياً، تتضمَّن معرفة غير مشروعة بالأحداث. وتعتمد على إنكار احتمالية تغيُّر الظروف"  (وليامز، 2003، القاهرة، ص176). ينساق التاريخ محكوماً بمنطق العلَّة إلى بؤر ركود منعدمة الشعور بجريانه العشوائي داخل مسارات الممكن كُلَّه. كفاية العلَّة هذه تنتشر سرطانياً في حقبة ما من التاريخ، تمنح الآيديولوجيا وثوقيَّتها الصماء، فتكبحها بذلك عن التنفس خارج هواء رئة معلولة بالضرورة: الضرورة تقتضي الإلزام ضمناً فتصير بذلك آيديولوجيا كاملة التطوُّر.

"
أي فلسفة مُعرَّفة تعريفاً قطعياً، تتضمَّن معرفة غير مشروعة بالأحداث. وتعتمد على إنكار احتمالية تغيُّر الظروف
"

الآيديولوجيا سريعة العطب وفق جدل التاريخ، نيئة الطبخ لتؤثر في مسارات الممكن بكيفيَّة واعية، ومفصولة عن شعورها بالتقادُّم. إنَّها مسطحة لأنَّها "زمينة" وليست "زمانيَّة"، فـ"الزمين هو المُصاب بالزَّمانة. ونحن زمانيون أي مصابون بالزمان. لنقل إن الزمان هو ضرب من الإصابة الجذريَّة بالزَّمانة، أي بنمط من الوجود يشبه أن يكون مرضاً وما هو بِمرض، إذ هو نحوٌ من فرط الحُب"  (المسكيني، بيروت، 2001، ص37) ونحوٌ من فرط الحنين وهو يحاول إلغاء الزمان الذي يفصل بين الرغبة وبين لحظة تحقيق المرغوب فيه.


تعني الآيدلوجيا أيضاً انفصال الفكرة عن جذرها الميثيولوجي وكفَّها عن أن تمدَّنا بالشغف اللازم لتصديق حلم ما، ذلك الحلم الذي يمنحها سر البقاء الملحمي ويُكسبها فاعليَّتها التلقائيَّة في حركة التاريخ. تستثمر الآيديولجيا دفع قوَّة السُلطة الناجم عن اهتبال الفُرص العائدة بمنفعةٍ ما، ثُمَّ تنفصل عن مشروعيَّة وجودها المرتبطة بقوَّة الرغبة وسيولتها في أرض المجتمعات؛ فيستتبع ذلك تحوُّلها لآيديولوجيا مسطحة الفاعليَّة غير نافذة في مدى الزمان بل منفعلة به أكثر وزائدة على أصل الحاجة السياسيَّة. يتقوَّم الزمان بمفهوم المعاصرة التي تعاصر كل مرةٍ عصر جديد، وبالتالي لا تعاصر المشكلات نفسها في كل مرَّة. تفشَّل الآيديولوجيا مسطحة الفاعليَّة أمام اختباري الزمن والسرعة جرَّاء عمى كاسح يغمض عينيها عن رؤيا التاريخ وهو يولد كل مرَّة من جديد، فهي تفقد معناها بسرعة كلّما قلَّ ارتباطها بنداوة الحلم، واتَّجهت لأن تتوضعن منقطعةً عن أصلها الذي أُشتُقَّت منه في بداءة أوليَّة للخيال البشري. إنَّ الآيديلوجيا دائماً شيء مُشتق من شيء آخر ويأتي تالياً في تاريخ الحضارة. فالميثيولوجيا أقدم من الأدب مثلاً، والأدب يسبق التفكير، والآيديولجيا فكرة. 


يعني ذلك "أن الناس لا يفكرون بطقم من الافتراضات أو المعتقدات؛ بل يفكرون بطقم من القصص ويشتقون الافتراضات والمعتقدات منها" لاحقاً (فروب نورثراي، 2012، دمشق، ص108) .


ليست النتائج المترتبة على هذا القول حصريَّة على ميداني الفن والأدب أو الإنسانيات بعامة، بل مُعمَّمة أيضاً على ميادين العلوم الطبيعيَّة والهندسيَّة. (أنشتاين) مثلاً أكَّد على "أنَّ الخيال أهمَّ من المعرفة" (إيزاكسون، 2010، أبو ظبي، القاهرة، ص28)  وهذا ليس التأكيد الوحيد في مجال العلوم الطبيعية، بل هو بمثابة النقطة الفارقة تاريخياً بين شكلين من المعرفة العلميَّة نفسها، هما شكليها الآيديولوجي والميثيولوجي.

"
الآيديولوجيا مسطحة الفاعليَّة تفشَّل أمام اختباري الزمن والسرعة جرَّاء عمىً كاسح يغمض عينيها عن رؤيا التاريخ وهو يولد كل مرَّة من جديد
"
ألِفَ (أنشتاين) ريبة (ديفيد هيوم) الذائعة في "مبدأ السببيَّة" بتأكيده أنَّه  -أي هيوم - كان أكثر فلاسفة عصره تأثيراً عليه. وقد "كان هيوم من وجهة نظر (لوك) و(بيركلي) يرتاب في أي معرفة بخلاف ما تستشعره الحواس مباشرةً، وحتى قوانين السببية الواضحة كانت في رأيه محل شك؛ علاقات ألفها العقل لا أكثر. فاصطدام كرة بأخرى قد يسير بالطريقة التي تنبأت بها قوانين نيوتن مرة بعد مرَّة، لكن هذا ليس في الحقيقة سبباً يدعونا للاعتقاد بأنه سيسير بنفس الطريقة في المرَّة القادمة"  (إيزاكسون، نفسه، ص103). وعلى النقيض من (نيوتن) "كان هيوم يرى بوضوح أن المفاهيم مثل مفهوم السببيَّة على سبيل المثال لا يمكن أن نصل إليها بطرق منطقية من ملاحظاتنا للتجارب" (إيزاكسون، ص103) .


أمَّا في مجالي الرياضيات والهندسة، فقد أكَّدت (بينوا ب. مانديلبروت) "أن التأثير الكبير المعروف لإقليدس على تفكير غاليلو قد تمَّ عبر الرسم وفنِّ العمارة" (مانديلبروت، 2003 العبيكان، الرياض، ص396). حدث هذا الأمر بواسطة الفصل الذي تمَّ بين "الفراغ" و"الفعل" في فن الرسم الإيطالي تحديداً، بعد أن "أصبح الفصل بين الفراغ والفعل أحد السمات التي تميِّز إحدى مراحل فن الرسم الإيطالي. نحن جميعاً نعرف بعض لوحات بداية "عصر النهضة" كلوحة القديس (سبياستيان) الشهيد، بريشة (بييرو ديللا فرانشيسكا) (1420 – 1492) ونرى فيها المنظور وقد بلغ حد الكمال ونقطة التلاشي تكاد تأخذ بالألباب. الفراغ هو وعاء مجرَّد تحده جدران ضخمة" (مانديلبروت، نفسه ص396)  وقد كان هذا الأسلوب في فن الرسم؛ مرحلةً لا غنى عنها في مسار العلوم الحديثة نحو تأسيسها الجديد مع (غاليلو). ف"على سبيل المثال كانت فكرة غاليلو المتعلقة بالقصور الذاتي تتطلب فصل وجود الفراغ عما يحدُث داخل الفراغ. ولم يكن هذا الفصل قد تمَّ سابقاً.. "لقد كنت أشعر على الدوام أن الهندسة بالمعنى الإقليدي والفن، مرتبطان بقوَّة. وبالنسبة لي، تتمتع الهندسة بخاصية بالغة القوَّة البصريَّة" (مانديلبروت، نفسه، ص396) .


إذا أردنا تنظيم إسهام العقل البشري في ميدان المعرفة وفق مرجعيَّة تاريخ الحضارة، فإن الأدب يأتي تالياً بعد الأسطورة كما أشرنا بعاليه. والأسطورة هي جهد بدائي للخيال البشري ليماثل بين الإنسان والعالم بعبارة (فروب). أما الأدب بن الأسطورة الشرعي وهاتك بكارتها؛ فهو الوريث الأكثر مشروعيَّة لإعادة التفكير فيما هو بدائي من جهد الخيال بعد مضاهاته بالمعرفة البشريَّة اللاحقة لكل عصر. إنَّ الخيال ليس زائداً على ملكات العقل بل هو جزء أصليُّ ومقوِّم لمعنى المعرفة نفسها بطريقةٍ ما: "لا يعني الخيال هنا كفاءة مبهمة في تمثُّل الأشياء؛ بل له وظيفة تأويليَّة. إنَّه في خدمة المعنى والشيء الجدير بالمساءلة وإمكانيَّة طرح الأسئلة الحقيقيَّة التي لا يتوصَّل إلى طرحها سوى من يتحكَّم في جميع مناهج نظامه المعرفي"  (غادامير، 2006، الجزائر، ص112) لتحرير طاقة الخيال نفسها. إنَّ العقل البشري يصنع الثورة دائماً بهذه الكيفيَّة وفي أي حقلٍ من حقول المعرفة الإنسانية أوالمجتمع، وليست الثورة ثورةً إلا لأنها تصنع انتظاماً جديداً في معنى الحياة التي بدأت دورتها في الاستسلام للتكرار والركود، وسط غياب شبه كلِّي لشغف الجديد الذي لربَّما يعقُب الحُطام.


تحقق الآيديولوجيا انتصارات عديدة في ميدان التاريخ، تبني الدُّول أوقاتاً وتهدمها أخرى؛ وتُشيّد قصور الرُّعب المتطاولة مع حركة الهدم والبناء هذه: "ما كان للإرهاب أن ينمو ويتطوَّر مطلقاً لولا الرُعب المنتشر في الدولة الحديثة" (أور، وكليك، 1996، القاهرة، ص5) : ليس مطلقاً تماماً ولكن إلى تلك الدرجة بالتحديد وفي كل مرَّة. بعبارة أخرى؛ إنَّ الإرهاب نفسه مناقض لسُلطة الدولة الحديثة وغير معترف بأصلها السياسي، لكنه لا يُمانع استخدامها لصالحه متى ما رجَّح ذلك كفَّة القوَّة لصالحه.


 (2): العقائد صحيحة كلها لكن هل هي مفهومة كلَّها؟
      ضمن رُعب "العصر الحديث" تكاثر بيض الآيديولوجيا ففقس مجازر القرن العشرين بحالها. جرَّب هذا العصر كل أشكال العنف المعروفة وغير المعروفة، صكَّ المفاهيم المرادفة للعنف على هيئة آيدلوجيات فاشيَّة، نازيَّة أو ستالينيَّة لا فرق يُذكر؛ باعتبار أن "الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنَّما هي الإرغام عليه" (بارت، 1986، الدار البيضاء، ص13)  وأن الستالينيَّة ليست هي الحيلولة دون التفكير الحُر، وإنَّما هي سد أُفُقه بالكامل: إنَّه عنف الآيديولوجيا مسطحة الفاعليَّة، حركة التاريخ الذي كان كل شيءٍ سوى أن يكون ناجٍ؛ المفارقة التراجيديَّة عينها في الخشبتين: خشبة المسرح، وخشبة العالم.

 "
ضمن رُعب "العصر الحديث" تكاثر بيض الآيديولوجيا ففقس مجازر القرن العشرين بحالها
"

يَصنع العُنف هزَّة كبيرة في تاريخ البشر، يسحب أقدامهم ويطالبهم بالمشي، يمشون معه مسرعين لكن بلا أقدام، فيبلغون نقطة انسداد الأفق التي يفرضها عجز الآيديولوجيا المتقادمة عن تبرير وجودها دون الاستناد على سلطة مركزٍ ما، وجميع العقائد متساوية عند هذا الحد ومبرَّرةً على نحوٍ متساوٍ.


يرتبط العنف بتصديق وجود هذا المركز المطلق للحقيقة، وتتشارك معظم العقائد في هذا الأمر ولكل عقيدة مركزها مطلق الصحَّة الذي لا تقبَل حوله الاختلاف. ارتباط العقائد بالمركز ضرورة تُمليها رغبتها في استثمار قوَّة العِصمة المشفوعة بختم القداسة الإلهيَّة بين البشر، فـ"المركز هو منطقة المقدَّس بامتياز، منطقة الحقيقة المطلقة"  (إلياد، 1987، دمشق، ص 40) التي لا يقبل المساس بها، وينافس هذا المركز لتأكيد تفوُّقه على أي مركزٍ آخر بطبيعة الحال، وتتساوى جميع العقائد أمام هذا الاختبار بلا أي استثناء.


وعلى سبيل المثال نجد في "المعتقدات الهنديَّة يقع جبل "ميرو" في مركز العالم، وفوقه يتلألأ نجم القطب... وبحسب المعتقدات الإيرانيَّة، يقع الجبل المُقدَّس "هرابر زايتي" في منتصف الأرض، ويتصل بالسماء، ويُحدِّد البوذيون في لاوس شمالي سيام، موقِع جبل "زنَّالو" في مركز العالم... ولدى أهالي فنلندا واليابان اعتقادات مماثلة"  (إلياد، نفسه، ص 32). يعود الأمر إذن إلى سماء  الإيمان أكثر من عودته إلى أرض المعرفة، إذ يستخدم الإيمان المعرفة بغرض تعزيز تمركزه فحسب، وذلك هو مصدر العنف في كل مكان. يمكننا أن نلفى العديد من الاستعارات اللغويَّة التي تُفسَّر لصالح مركزيَّة ما ومتعارضة في الوقت نفسه مع تفسير آخر، فـ"لعل اسم جبل (ثابور) في فلسطين، مشتق من كلمة (ثبور)، ومعناها (السُرَّة). ولقد كان لجبل (جريزيم)، في وسط فلسطين، مكانة مركزيَّة لأنه يُسمى "سُرَّة الأرض". العهد القديم: هو ذا الجيش ينزل من سُرَّة الأرض"  (إلياد، نفسه، ص 33).


ليست المشكلة إذن مرتبطة بمعرفة أي المراكز أكثر صحَّةً من الآخر بمقياس العقل وحده، إذ أنَّ المعرفة نفسها مشمولة ضمن هذا الخطأ في أحايين كثيرة؛ حتى بين أكثر حقولها مدعاة للثقة والطمأنينة. هُنا يمكننا القول على سبيل التدليل مع (غوتفريد لايتنز)، إنه "من الحق أن سوء استخدام الألفاظ قد سبَّب جزءاً كبيراً من الفوضى الموجودة في معارفنا. ليس فقط في الأخلاق وما بعد الطبيعة أو فيما نسميه العالم الذهني، وإنما أيضاً في الطب حيث تزايَد سوء استخدام الحدود أكثر فأكثر. لا تستطيع الأشكال هنا مساعدتنا كما في الهندسة ولكن الجبر أظهر أن من الممكن تحقيق اكتشافات كبرى دون اللجوء دائماً إلى أفكار الأشياء". (لايبتنز، 1983، فاس، ص177) .


يعني هذا أن الإيمان والمعرفة ميدانان مختلفان تماماً دون أن يكونا متقابلين بالضرورة، فبالمعرفة يمكننا أن نعتقد لكن بالاعتقاد لا يمكن أن نعرف إلَّا عبر تنشيط الحدوس. ذلك لأن "طريقة الحديث التي تُقابل بين العقل والإيمان مهما كانت مألوفة فإنها غير صالحة، لأنه بالعقل يجب أن نعتقد. الإيمان تصديق قوي، والتصديق المنظم كما يجب لا يمكن أن يقوم إلا بناءً على أسباب جيِّدة"  (نفسه، ص 314 – 315).
إنَّنا هنا أمام سؤال من أين تكتسب القواعد نفسها شرعيَّتها؟ إنَّها مشروطة بفعل الموافقة عليها لا غير، "فالموافقة وحدها هي التي تُكسب القواعد شرعيَّتها، أي أنه لا وجود لقواعد شرعية بشكل مباشر: القواعد لا تحمل داخلها شرعيتها الخاصة لمجرد أنَّها قواعد" (وليامز، 2003، القاهرة، ص52) .


(3): الطبيعة المسرحيَّة للإرهاب؛ كيف يفهمها العقل؟
     بين الحضارة والعنف قران مؤكَّد بعبارة (ماكس هوركهايمر)، وبين العنف والدولة الحديثة إذن. ينبهنا (جيرولد دانيال، ص 12) إلى أن عصر التنوير نفسه كان موثوقاً لفخاخ العنف والإرهاب وإن بطرق مختلفة تلك المرَّة. فحتى العلم يمكن أن يتحوَّل لقوَّة إرهابية جرَّاء دخول آفة الآيدليوجيا إلى ميادينه وتحفيز رغبته الجامحة للسيطرة على كل شيء. يمكننا أن نلحظ ذلك في مخرجات العلم الحديث وتصوُّره لعلاقته مع الطبيعة بشكل عام؛ إنَّها في جوهرها مبنيَّة على الإكراه والرغبة في السيطرة على كل الموجودات.

"
الإيمان والمعرفة ميدانين مختلفين تماماً دون أن يكونا متقابلين بالضرورة، فبالمعرفة يمكننا أن نعتقد لكن بالاعتقاد لا يمكن أن نعرف
"
يتمدَّد تأثير المعرفة الحديثة ليشمل محاولة السيطرة على الإنسان نفسه وتحويل أنظمة قيمه بواسطة الدولة الحديثة التي نجحت في صناعة "حظيرة بشريَّة" يُمكنها التحكُّم عبرها في مواقيت الدخول والخروج منها وإليها، ويمكنها أيضاً أن تمنعهما بالمرَّة في نموذجها الكلياني الذي نأتيه بتوسع في موضع آخر.


وإنَّه لمن الطريف حقاً أن نعرف، أن "المقصلة الفرنسيَّة" "لم تكن سوى اختراع نموذجي من اختراعات التنوير، فهدفها جعل عقوبة الإعدام سريعة، إنسانيَّة، ولا ألم! وزادت آلة القتل الجديدة – لكونها نصف أوتوماتيكيَّة وذات كفاءة عالية – من الإنتاج بالجملة. ولَّدت سهولة استخدام الآلة الجديدة مزيداً من القتل، ولقد ذهبت جماعات كثيرة إلى العالم الآخر، لمجرَّد أنه كان من السهولة بمكان أن يرسلوهم إلى هناك من خلال تلك الآلة" (دانيال، 1996، القاهرة، ص12)  التي حوَّلت القتل إلى مهنة منظمة وحوَّلت القاتِل إلى مجرَّد فني يقوم بأداء وظيفته: هذه إحدى الهزَّات البشريَّة الكبرى التي حدثت في نظام القيم الإنسانيَّة مرَّةً بفعل أثر العِلم وبوظائفيَّته المنفصلة عن سؤال المشروعيَّة المطروح في فلسفته.


تقودنا هذه الملاحظة إلى نتيجتين مهمتين: تُظهِر الأوَّلى العلاقة التقنيَّة بين العنف والمعرفة حينما يصبح العلم نفسه أداة في يد الآيديولوجيا، تستخدمه كما تشاء حتى ضد مشروعيَّة وجوده الأوليَّة. أما النتيجة الثانية فهي تبدأ بتساؤلنا حول علاقة العنف/ الإرهاب بالمسرح كفن يجمع في كيانه بين الميثيولوجيا والآيديولوجيا في الآن نفسه. حيث "يُلاحِظ كثير من المعلقين، الطبيعة المسرحيَّة للإرهاب في العالم المعاصر؛ فهو يتضمَّن نوعاً من الإخراج المسرحي المخطط لأحداث، تُحوِّل الجماهير الغافلة إلى متفرجين رغم إرادتهم، وإلى رهائن للمشهد الدامي" (أور، وكليك، 1996، ضمن المقدِّمة) .


فبواسطة الطبيعة المسرحيَّة لفن المسرح نفسه، يشرع الإرهاب في التخطيط لتحقيق أهدافه ضمن مشهد العالم، عن طريق الاستغراق في آيديولوجيا مفصولة عن جذرها الميثيولوجي ومستندة على مبدأ القوَّة الذي وصفه (روسو) بأنه بلا أخلاق. إنَّ الطبيعة المسرحيَّة للإرهاب تشي بأن العقل هو الذي يحكم التفكير في صناعة قوَّة العُنف بواسطة قصديَّة مُسبقة بجدوى الأثر، ويجب لكل فعاليَّة فاقدة لتأثيرها الملحمي إذن، أن تستند على الرُعب الذي تنتجه قوَّة السلطة بعد أن تفشل في تحقيق غايتها بسبُل أخرى. و"إذا كان الرُعب قد لازمنا طيلة فترة الحضارة الأوروبيَّة، فإن الإرهاب – النبت الحديث للرعب – ظلَّ يلازمنا باستمرار طيلة القرن العشرين، وقد بات الآن ظاهرة عالميَّة. إنه نتاج عصر الآيديولوجيات التي نظرت إلى الرعب - خطأً – على أنه أداة يمكن من خلالها التعجيل بالكفاح الثوري". (أور، وكليك، نفسه، ضمن المقدِّمة) . إنَّه التدبير عينه الذي يستخدمه المسرح لتحقيق غاية ما أمام جمهورٍ ما وبواسطة نظام تأثير مشابه، مفصولٌ عن جذره الميثيولوجي وموثوق لآيديوجيا الرعب التي فتحت العالم على تجربة الخوف واليأس والعدميَّة.


أخطأ "عصر الأنوار" مرَّةً تسمية ملكات العقل فطابقها بوظيفة السُلطة. فعل ذلك لأنه ظنَّ أن العقل محدودٌ بوظيفة الفهم حصراً وتغاضى عن وظيفته في فعل الخلق والإبداع: "أخطأ هذا العصر بوضع ملكة الفهم والتفكُّر مكان العقل وبالتالي؛ رفع شيئاً متناهياً إلى مرتبة المطلق" (هابرماس، 1995، دمشق، ص 40)  أخطأ بأن رسَّخ فكرة الحقيقة القائمة على مبدأ التطابق وتغافل عن دوره في صناعتها بفعل قدرة الخيال، وأخطأ حينما دشَّن العصور الحديثة بـ"مبدأ الذاتيَّة" وأورثها تمركزها الكليَّاني على خُرافة "الأنا": " علينا أن نقرَّ بأن نواة الحداثة كما شخَّص ذلك كانط وهيجل هي مبدأ الذاتيَّة"  (المسكيني، بيروت، 2001، ص48) وعلينا أن نُقر أيضاً بأنَّ الدولة الحديثة تأسست على هذه النواة، وأنه لم يعُد كافياً التفكير في شكلها الكلياني القائم على التصوُّر الحقوقي كما دشَّنه عقد (روسو) وحسب. فقد تجلى هذا العقد في التاريخ على هيئة مصادرات كليَّة، تُجبرُّ الإنسان على أن يكون حُرَّاً! بعبارة روسو نفسه: أليس هو القائل أيضاً "أنَّ القوانين سجل ترتسم فيه إرادتنا"؟

"
"عصر الأنوار" أخطأ مرَّةً تسمية ملكات العقل فطابقها بوظيفة السُلطة. فعل ذلك لأنه ظنَّ أن العقل محدودٌ بوظيفة الفهم حصراً وتغاضى عن وظيفته في فعل الخلق والإبداع
"
منشأ هذا الفخ هو "مشكلة تفويض السُلطة" التي مارستها الدولة الحديثة بكافة أشكالها وبمختلف آيديولوجياتها أو سرديَّاتها الكبرى، ذلك لأنَّ "كل دولة تفترض أنَّ سلطتها ليست عنفاً وإنَّما هي قوَّة شرعيَّة بالقانون ومشروعة بقيم الأُمَّة. لكن هل أنَّ استعمال القوَّة بالتوافق مع القانون سيغيِّر من طبيعة القوَّة؟ أي لا يجعلها تتحوَّل إلى عنف؟ خاصةً ونحن نلاحظ أنَّ الاختلاف في تصوُّر الدولة يساريَّة أو يمينيَّة أو دينيَّة، لا يمس بالاتفاق الأساسي حول طبيعة السلطة بوصفها قائمة على علاقة ضروريَّة مع العنف"  (المسكيني، بيروت، 2001، ص88) الشيء الذي أسلمنا بدوره إلى ظاهرة بلوغ نموذج الدولة الحديثة نهايته القصوى وبأشكال مختلفة من العُنف المتجسِّد في "هيئة الدولة الحُشريَّة كُلَّانيَّة التحشُّر"، التي لم تترك للإنسان حقاً لم تحوره في بنيتها المتحولة لقرون، بتذويبه مع ملح مع الطاعة المفروضة دوماً بضرورة ليست أصليَّة في طبع البشريَّة قبل الحديثة  بل خارجيَّة بالنسبة لها، وبالتالي تآلفت بشريَّة الحداثة مع شكل الدولة الحديثة بواسطة تفويض سلطتها مقابل وظيفة محدَّدة أصبحت ضروريَّة بالنسبة بعد عصور دامية من "حرب الكُل ضد الكُل"؛ وهي تحقيق السلم البشري كمطلوب أوَّل وإزالة إمكانيات العنف الناشبة، من خلال احتكار مزية العنف لا توطينها كما حدث في نموذج الدولة الحديثة الذي أسلمنا لهذه الدولة الكليانيَّة. إن "إجبار الإنسان على أن يكون حُرَّاً، إنَّما هو الباب الذي أدى إلى الدولة الكُليانيَّة. حيث تنقلب السُلطة من أداة خارجيَّة للسيادة، إلى بنية مبثوثة في فضاءات الوجود المدني للمحكومين. ونحن أشرنا إلى الطاعة لأنَّه بلا طاعة لا وجود للسُلطة، لكن إذا كانت الطاعة عمياء فلا حاجة إلى العنف. إنَّ السُلطة عندئذٍ آلة مغلقة ورهيبة، لأنَّها مبنيَّة على مفهوم عقلاني للسلطة يصنع الطاعة ولا ينتظرها، كما أنَّه يجهض الثورة عليها قبل وقوعها. إنَّ الدولة الكليانيَّة هي تلك التي انتهت إلى استيفاء كل إمكانيات العنف التي ينطوي عليها البناء القانوني للدولة الحديثة من حيث هو بناء عقلاني صرف"  (المسكيني، نفسه، ص91).


أشرنا بعاليه إلى أنَّ مسألة الضرورة التي افترضها نموذج الدولة الحديثة هي "ضرورة ليست ضروريَّة بذاتها" إذا قوبلت بقضيَّة الحق الإنساني السابق لكل دولة ولكل قانون. وذلك لأنَّ "الحق الإنساني بمعنى الشكل الصوري الذي تفرضه الطبيعة الإنسانيَّة على الدول، إنَّما ينطوي على إمكانيَّة خصبة للتمييز الجذري بين السُلطة والقُدرة: السُلطة من حيث هي العنف المشروع الذي يُقوِّم منطق الدولة، والقُدرة أو الاقتدار الذي تنطوي عليه الطبيعة الإنسانيَّة؛ إنَّما هما مؤشران لإشكاليتين متباينتين تماماً. وقد كان (سبينوزا) هو أوَّل من فكَّر في هذا الأفق عندما أصرَّ على أن "لا أحد يمكنه تفويض كل ما يملك من قوَّة إلى السُلطة العليا، وأنَّ هذا التفويض ليس ضرورياً". إنَّ هذا الإقرار إنَّما هو معلن مباشرةً، ضد البناء القانوني الصارم الذي أودعه (هوبز) كتاب "التنين". حيثُ تكون الدولة تنيناً يُعيِّن الحقوق ويلغيها بموجب ضرورة تخصه، وحيث يكون الإنسان موضوع سُلطة محض"  (المسكيني، نفسه، ص92) ولكن هل المشكلة مشكلة بناء صارم لا يعرف الحق الإنساني؟

إنَّها بالضرورة لا. فالحقُّ عند (هوبزٌ) مرعيٌ بالطبيعة والمعرفة معاً، وهو يُعرِّفه بأنَّه "الحريَّة في فعل شيءٍ أو الإمساك عنه"  (المسكيني، نفسه، ص81) وأن هذا الحق غير متنازلٌ عنه وغير مفوض لأي سلطة سياسية إلا مقابل حماية النفس البشريَّة من الحرب الطبيعيَّة التي خاضها الإنسان قبل ولادة الدولة الحديثة وضمن ما أسماه بحالة "حرب الكل ضد الكُل" التي أنهكت الجنس البشري وأصبح بعدها قابلاً لأن يفوِّض حقَّه الطبيعي مقابل قيام الدولة بواجب إزالة إمكانيات العنف الطبيعيَّة: "إن التعهُّد بأن لا أدافع عن نفسي ضد القوَّة بالقوَّة هو باطل دائماً. فلا أحد يمكن أن يُفوِّض أو يتخلى عن حقَّه في إنقاذ نفسه من الموت والجروح والسجن؛ بما أن تفادي هذه الأمور هو الغاية الوحيدة من التخلي عن أي حق"  (هوبز، أبوظبي، 2011، ص148). "تنين" هوبز إذن هو ضالة (روسو)، الضائعة بين ركام الحداثة المنقضي، تجاهلته البشريَّة الحديثة بمثلما فعلت مع منتقده الأهم (سبينوزا)، وهما متجاوران في التاريخ وداخل العصر نفسه للغرابة! لكن "زمانة" الحداثة أبت إلا أن تنقاد جهة (روسو) و(ديكارت)، وتمضي قدماً في تأسيس مركزيَّة الأنا الضالة، والآيديولوجيا مسطحة الفعاليَّة، وحقب العنف التي تؤول إلى دمار طاحن، ثم يبدأ كل شيءٍ في البزوغ من جديد. حيث "تُحدِث حقب العُنف هذه في الشعوب ما تحدثه أزمات معينة في الأشخاص: في حقب كهذه يقوم الفزع من الماضي مقام النسيان، وفيها ترى الدولة وقد اشتعلت فيها نيران الحروب الأهليَّة، تنبعث حيَّةً من تحت رمادها، وتستعيد عنفوان الشباب وهي تفلت من قبضة الموت. هكذا كان شأن "إسبارطة" في عهد "ليكورغس"، وشأن "روما" بعد سلالة "تاركان"، وهكذا هو شأن هولندا وسويسرا بعد أن طردتا الغزاة"  (روسو، 2011، الحُمرا، ص131). هل كان روسو متفائلاً أكثر ممَّا ينبغي؟


(4): مسرح على خشبة المسرح: مسرح على خشبة العالم:
     يميِّز البشر عادةً بين خشبة المسرح وخشبة العالم وفق قياس خاطئ متكرِّر مصدره عجزهم عن التمييز بين منطق الإبداع ومنطق الضرورة. العالم هو الخشبة نفسها، واللاعبون هم هذه الـ"نحن" الفينومينولوجيَّة المشروطة بأفق عصرٍ ما مع كل مرَّة، والمسؤوليَّة ثمن لا مهرب منه في أي معيش. (بيكيت) أخبرنا مرَّةً بأن هناك مشكلات لا حلَّ لها على كوكب الأرض، وهي ذات المشكلات التي وقع فيها البشر آلاف المرَّات في حيوات سابقة، لكن المشكلات التي يقع فيها البشر مرَّات عديدة، حُلَّت أيضاً بأشكال عديدة. فالتاريخ حاضرٌ في قلب الحاضر، والزمن ثابت دورة التكرار والعودُ أبد، دون أن ننسى المسافة المقطوعة. إنَّه الفرق بين موقعين للعب: موقع خشبة المسرح وموقع خشبة العالم.

"
التاريخ حاضرٌ في قلب الحاضر، والزمن ثابت دورة التكرار والعودُ أبد
"
(لايبتنز) يعلِّمنا المزيد عن جدوى التمييز بين مفاهيم الزمن ويُساعدنا في تحديد مواقع اللّعب بدقَّة أكبر بين  عاملي المكان والزمان وعبر قياس المسافة المقطوعة بالضرورة. فـ"بعد أن كان ديكارت يعتبر كميَّة الحركة نتيجة لقوَّة تعمل في زمن محدَّد، أعلن لايبتنز أن القوَّة تعمل خلال مسافة ثابتة. فقد أهمل ديكارت المسافة التي تقطعها القوَّة. وبالتالي عدَّل لايبتنز مفهوم الزمان والمكان ورفض اعتبارهما حقيقتين مطلقتين واعتبرهما نوعاً من التتابع: المكان يدلُ على تتابع الأشياء والزمان يدل على تزامنها" (لايبتنز، 1983، فاس، ص34) .


المنطق يسعفنا هنا ولو قليلاً، فهو يلعب دور الحد بين من يركُض خلف الحدود المرعيَّة بواسطة قواعد عقل السُلطة ذاته. هنا يمكننا أن نفسح ميدان اللعب لنوعين من القضايا التي تحكم حضورنا في خشبة العالم لا غير. فهنالك "قضايا ضروريَّة نقيضها مستحيل وأساسها المنطقي مبدأ عدم التناقض وقضايا عرضيَّة نقيضها ممكن وأساسها المنطقي مبدأ العلَّة الكافية" (لايبتنز، نفسه، ص20) . أمَّا في خشبة المسرح فلا حدود للقضايا، ولا فرق في هذه الحال بين الماضي والمستقبل إلا بحساب زمن خشبة العالم "الآن وهنا": يجمع الفن المكان والزمان في حركة واحدة هي لحظة الخلق والإبداع، وطالما أن " الحقيقة ليست نتيجة لإرادة سابقة أبداً، بل نتيجة لعنف في الفكر" (دولوز، 2008، القاهرة، ص51) ، فإن الإبداع يرفض محاولات الفكر الرامية لإخضاعه عبر مقولات المنطق، وذلك لأن الفن "يتوافق مع منطق إبداع وليس مع منطق علَّة، فهو لا يُشكِّل "رد فعل" سواء كمحاكاة لعالم خارجي، أو لذكرى ماضويَّة، إنه تجربة لا يمكن تجزئتها أو ردَّها لعلَّة محددة"  (مصطفى، 2011، بيروت، ص224 – 225).


يتكدس في تاريخ المسرح لغط كثير مبني على الجهل بهذه المفارقة للَّعب بين موقعين أو أكثر، وليس الحاضر حاضراً أبداً إن لم نُحضِر مستقبله، نشاهد ألاعيبه لحظة الخلق وهو يكون، فوق أرض المعرفة وتحت سماء الممكنات، وبعين "المتفرِّج المنعتق" من إهاب الخشبتين معاً وبلا ذات على الطريقة الديونسيوسيَّة.  و"ربَّ ملمحٍ نرى أنَّ نيتشة قد نبَّه عليه منذ الفقرة 21 من مولد التراجيديا اليونانيَّة. هاهنا كان الهو يُسمى ديونيسيوس، لكن ديونسيوس إله بلا "أنا"، ففي الظاهرة الديونيسيوسيَّة ليس ثمَّة أنا وليس هناك ذاتيَّة: إنَّ نيتشة لا يتردَّد في الإعلان منذ 1871 بأن الذات مفهوم معادٍ للفن أصلاً (الفقرة 5)، ذلك أن الإنسان الديونسيوسي لم يعُد فناناً بل صار هو نفسه عملاً فنياً (الفقرة 1)"  (المسكيني، بيروت، 2001، ص129) متعدِّد الشخوص والمفهوميَّة ومُفكِّك لمركزيَّة الذات التي دشَّنتها عصور الحداثة بأكثر من تأسيس.


في مسرح الخشبة نلفى عروضاً تفضح آيديولوجيا العلم فتبلغ بها منتهاها كما في مسرحيَّة (على حافة اللا معقول). إنَّها تحاول تدقّيق فكرتنا عن حركة المواقع لتعلِّمنا استباق البديهة وإدراك فكرتي التزامن والتعاقب بأكثر من شكل وبلا مسلَّمات بنيويَّة. حيث "يُسقِط (وتكاس) فكرته عن اليوتوبيا على مقبل الأيام وهي تسير وفقاً للفروض العلميَّة الحديثة. فالسعادة تُفرض بالقوَّة ليس طبقاً لمعطيات هندسة إقليدس المألوفة بل طبقاً لنظريَّة النسبيَّة لأنشتاين، ونظريَّة مضاعفات الأرقام لكانتر ومبدأ الشك عند هيسنبرج والتكامل عند بوهر. يصوِّر (وتكاس) مستقبل الشموليَّة على أنه عالم غير ثابت في حالة تحوُّل لا نهائي: إن عالم الحكم الشمولي في رأيه هو مجال سياسي له ستة أبعاد في حالة استمراريَّة مُطلقة. وهو يستمد الأساليب البغيضة للحكم الشمولي من نظرته الجديدة للطبيعة البشريَّة: إنها طبيعة طيِّعة، سهلة التشكيل، ومن اليسير السيطرة عليها وتحويلها من حال إلى أخرى".(جيرولد، 1996، ص 19)  داخل حظائر الدول الحديثة. 
"
إفلاطون صنع سقراطه مقوضاً حقل الجماليات اليونانيَّة بعد أفول عصر الفن الديونسيوسي، ونقوِّضُ نحن اليوم كل ميراثه الثقيل مع بدايةٍ جديدة ولعصر التأسيس الجديد
"

نيتشة كما يصوغها زرادُشت هي هذه: إنَّ على كل امرئٍ أن يكون من هو، بمعنى أن يصبح الهو الذي لا يملك من الطرق السعيدة إليه إلَّا جسده. وإنه في هذا الأفق علينا أن نضع دلالة "ما فوق الإنسان". إنَّ ما فوق الإنسان هو الهو الفلسفي الذي يشتق منه نيتشة جوابه عن سؤال من هو الفيلسوف؟"  (المسكيني، 2001، ص130).


عُنف آرتو إذن عنف مرغوب فيه باعتباره جهداً مبذولاً في مسار الحياة نفسها ومُتجهاً ناحية تلك الذات البشريَّة التي مزَّقتها الهزَّات الكبرى فآلت إلى العدميَّة الكاملة حاضنة الإرهاب المعاصر الذي لم يبقِ للدولة نفسها أي شرعيَّة بخلاف منطق القوَّة. آرتو نفسه يؤكِّد على هذا المعنى أكثر من مرَّة عندما يقول: "أستعمل مصطلح قسوة بمعنى شهوة الحياة، والعنف الكوني، والضرورة الحتميَّة بالمفهوم الغنوصي لزوبعة الحياة التي تلتهم الغياهب. بمعنى هذا الألم الزائد عن الضرورة الحتميَّة، والذي بدونه لا يُمكن للحياة أن تستمر. فالخير مرغوبٌ فيه؛ بينما الشر يبقى دائماً" (الموسوعة الفلسفيَّة، 2013، الجزائر،ج1، ص310) .


يُفسد التكرار متعة المشاهدة الحية لأحداث العالم، فهي به تكفُّ عن الإتيان بجديد في خضم التاريخ. الجديد هو كفَّنا عن مشاهدة التكرار نفسه لنرى العالم لحظة الخلق وهو يكون. ينحاز عنف الميثولوجيا جهة منطق الإبداع لا منطق العلَّة، بينما ينحاز عنف الآيديولوجيا جهة سفك فرص التاريخ بالنجاة من قبضة التكرار مع كل مرَّة يوشك فيها أن يكون. بهذا المعنى، إن "القسوة إذاً تعبير عن الصراع الأساسي والدائم الذي يُمزِّق الإنسان والعالم. لكن بعيداً عن هذه الحرب الاستئصاليَّة، فإنَّ القسوة كذلك هي الجشع في خلق إنسان جديد وجسد خالص" (الموسوعة الفلسفيَّة، 2013، بيروت، الجزائر، ص309)  وبعبارة أخرى، إنسان تراجيدي لا إنسان نظري ابتدعه "سقراط أفلاطون" في عصر أفول التراجيديا اليونانيَّة وحقل الجماليات الذي دشَّنته في عصور سابقة لثنائيَّة المادة – الصورة التي أسَّسها إفلاطون: فـ"الجماليات لم تبدأ عند الإغريق إلَّا في اللحظة التي دخل فيها الفن الكبير، ولكن أيضاً الفلسفات الكبرى التي تجري مجراه، في نهايتيهما. في هذا الوقت، في عصر أفلاطون وأرسطو، وفي سياق عمل الفلسفة على اتِّخاذ هيئة لها، صيغت تلك المفاهيم التي سوف تحدُّ في المستقبل دائرة نظر كل تساؤل عن الفن. فكان أوَّل الأمر الثنائي المفهومي: مادة – صورة. وهذا التمييز يستمد أصله من تصوُّر الكائن، الذي أسَّسه أفلاطون بالنظر إلى مثوله أو منظره"  (المسكيني، 2011، الحمرا، ص182). صنع إفلاطون سقراطه مقوضاً حقل الجماليات اليونانيَّة بعد أفول عصر الفن الديونسيوسي، ونقوِّضُ نحن اليوم كل ميراثه الثقيل مع بدايةٍ جديدة ولعصر التأسيس الجديد.


هكذا إذن تبدأ مهمتنا في تقويض الحياة أكثر دون أن يعني ذلك قبولنا بحالة الفراغ الناجمة عن عنف العالم المسكون بالخراب. فـ"مسرح القسوة، على الرغم من كل ما يكون عليه أن يُقوِّضه في طريقه، "لا يمثل رمزاً لفراغ غائب". بل إنه يؤكِّد، يُنتج التأكيد نفسه في صرامته الملأى والضروريَّة. ولكن في معناه الأكثر خفاءً أيضاً، المعنى المحتجب غالباً و"الساهي" عن ذاته. إذ مع أنه: "ليس بالممكن تفاديه" فإنَّ هذا التأكيد "لم يبدأ بعد، بالوجود"  (ديريدا، 2000، القاهرة، ص76).

قائمة المصادر والمراجع:

1-  جيمس وليامز – ليوتار: نحو فلسفة ما بعد الحداثة – ترجمة إيمان عبد العزيز – مراجعة: حسن طلب – المشروع القومي للترجمة – القاهرة – العدد 602 – الطبعة الأولى – 2003.
2-  فتحي المسكيني – الهويَّة والزمان: تأويلات فينومينولوجيَّة لمسألة "النحن" – دار الطليعة – بيروت الطبعة الأولى – 2001.
3-  حوار مع نورثراي فروب – ضمن كتاب النقد والمجتمع: حوارات – ترجمة وتحرير فخري صالح – دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع – دمشق  سورية – الطبعة الأولى – 2004.
4-  أنشتاين وعالمه – والتر إيزاكسون – ترجمة هاشم أحمد محمد – مراجعة مجدي عبد الواحد عنبة وسامح رفعت مهران – كلمة وكلمات عربية للنشر والترجمة – أبو ظبي القاهرة – الطبعة الأولى – 2010.
5-  مناهل الابداع – مجموعة مؤلفين – تحرير كارل ه. بفننغر وفاليري ر. شوبيك – تعريب مها حسن بحبوح – العبيكان – الرياض – الطبعة الأولى - 2003.
6- فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف. – هانز جورج غادامر – ترجمة محمد شوقي الزين – الدار العربيَّة للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف – الجزائر – الطبعة الثانية – 2006.
7-  أور جون ودراجان كليك - الإرهاب والمسرح الحديث  – مجموعة مؤلفين – تحرير – ترجمة د. أمين حسين الرباط – أكاديميَّة الفنون – وحدة الإصدارات – مسرح – 3 – القاهرة – 1996.
8-  رولان بارت – درس السيميلوجيا – ترجمة عبد السلام بنعبد العالي – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء – ساحة محطة القطار – الطبعة الثانية – 1986.
9-  مرسيا إلياد – أسطورة العود الأبدي – ترجمة نهاد خياطة – دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر – دمشق – الطبعة الأولى – 1987.
10-  ج. ف. ليبتنز – أبحاث جديدة في الفهم الإنساني: "نظريَّة المعرفة" – تقديم وترجمة وتعليق د. أحمد فؤاد كامل – دار الثقافة للنشر والتوزيع  2 شارع سيف الدين المهلاني – فاس – المغرب – 1983.  
11-  جيرولد دانيال - الإرهاب والمسرح الحديث – مجموعة كُتاب – تحرير جون أور ودراجان كليك – ترجمة د. أمين حسين الرباط – أكاديميَّة الفنون– وحدة الإصدارات – مسرح – 3 – القاهرة – 1996.
12-  يورغن هابرماس - القول الفلسفي للحداثة – يورغن هابرماس – ترجمة د. فاطمة الجيوشي – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – الطبعة الأولى – 199.
13-  توماس هوبز – اللفياثان: الأصول الطبيعيَّة والسياسيَّة لسلطة الدولة – ترجمة ديانا حبيب حرب وبشرى صعب – هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ودار الفارابي – الطبعة الأولى – 2011.
14-  في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي – جان جاك روسو – ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز لبيب – المنظمة العربيَّة للترجمة – بيروت الحمرا – الطبعة الأولى – 2011.
15- بروست والإشارات – جيل دولوز – ترجمة حسين عجَّة – دار أدب فن والمنتدى الثقافي العربي – القاهرة – الطبعة الأولى – 2008.
16- سياسات الرغبة – جيل دولوز – تحرير د. أحمد عبد الحليم عطيَّة – مجموعة كتاب – دار الفارابي: سلسلة أوراق فلسفيَّة – بيروت – الطبعة الأولى – 2011.
17-  مدحت كاشف – المسرح والإنسان: تقنيات العرض المسرحي المعاصر من الملحمية إلي أنثربولوجيا المسرح – القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب – الطبعة الأولي – 2008.
18- الفلسفة الغربيَّة المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزيَّة الحداثة إلى التشفير المزدوج – الجزء الأوَّل – إشراف وتحرير د. علي عبود المحمداوي تأليف مجموعة من الأكاديميين العرب – تقديم علي حرب – منشورات ضفاف الرياض بيروت – منشورات الاختلاف الجزائر – دار الأمان – الطبعة الأولى – 2013.
19- فتحي المسكيني - التفكير بعد هايدجر: أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟ – جداول للنشر والتوزيع – الحمرا – بيروت – الطبعة الأولى – 2011.
20- الكتابة والاختلاف – جاك ديريدا – ترجمة كاظم جهاد – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء – الطبعة الثانية – 2000.


 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."